جاء بعدهم ـ ككعب الأحبار ووهب بن منبه ـ كانوا أقل حرصًا على اختيار ما يروونه من كتب أهل الكتاب.
في الإسلام: لا معني للعلم بلا عمل،ولا فائدة لقول بلا سعى،وفى كل عصر تبدو الصورة الحقيقة للعالم المسلم على أنه رجل فِعْلٍ قبل أن يكون رجل كلام،وإذا كان يصعد المنابر فيهزها ويحرك مشاعر الناس،فإنه يأسر الخلق بحسن خلقه وجهاده وتمام ورعه وحرصه على الحلال الطيب،وبعده عن الشبهات ودواعي الشهوات.
والعلماء في مجتمع الخلفاء الراشدين مثلوا القطاع الأبرز في خدمة الدين وأهله،فمنهم من ضحى بنفسه،ومنهم من شارك في الجهاد والقتال،ومنهم من شغل نفسه بتعليم الناس أمر دينهم.
ويكفى أن الخلفاء الراشدين أنفهسم هم من علماء زمنهم الكبار،وقد حَمَوْا الإسلام،وحرسوا حدود الدين،وفتحوا البلاد وقلوب العباد أمامه،ورَعَوْا مصالح المسلمين...
كذلك كان من خدمة العلماء لدينهم وأمتهم أنهم عاونوا الخلفاء كمستشارين مقربين أمناء،وكولاةٍ على البلاد والأمصار،وقادةٍ للجيوش وقضاة على البلاد،ويكفى أن نسمع أسماء أبي عبيدة وأبي موسى الأشعري وعمار بن ياسر وعبد الله بن مسعود لكي نعلم ذلك.
وكان العالم في الجيش هو قلبه وروحه التي يتحرك بها نحو هدفه،يذكر الناس بالآخرة،ويحثهم على الصبر في وجه العدو،فإذا ثار الغبار وحمي القتال كان العالِم في قلب المعركة.. وقد كان العلماء بالقرآن ـ على سبيل المثال ـ هم أداة النصر الكبرى في معركة اليمامة،حين كاد المسلمون أن يهلكوا تحت سنابك خيل مسيلمة الكذاب.
والمهمة الثابتة ذات الأثر البعيد التي قدمها علماء فترة الخلافة الراشدة لأمتهم ـ هي تبصير الناس بدينهم،ونقل ميراث العلم النبوي إلى الأجيال التالية.
لقد ساح المسلمون في العالم وفتحوا منه مساحات واسعة في عهد الخلفاء الراشدين،وكان سكان الكثير من البلاد المفتوحة أهل حضارة ومدنية،لديهم علوم ومعارف قد لا يكون للعرب منها شيء،أوْ لَهُمْ منها شيء قليل،مثل الطب والفلسفة والهندسة والفلك،كما كان من بين المدن المفتوحة مدن اشتهرت بالنشاط العلمي والفكري،كالإسكندرية وجنديسابور وحران،وشهدت الشام ومصر حتى قبيل الفتح وفي أثنائه خلافات مذهبية عنيفة بين فرق النصارى الذين اختلفوا في طبيعة المسيح،ودار النقاش بينهم هادئا أحيانا وعنيفًا في أغلب الأحيان.
وورث الإسلام حكم هذه البلاد في عهد الراشدين وفيها هذا الميراث المختلط،وازداد التداخل حينما اعتنقت الإسلام جموع كبيرة من الفرس والروم وأهل مصر وعرب العراق والشام والجزيرة،وهؤلاء إذا لم يكونوا دخلوا في الإسلام ومعهم علومهم وفلسفاتهم فقد دخلوه ولهم طرق تفكيرهم ومعاشهم الخاصة...