وأما علقمة بن قيس فكان من شيوخ التابعين،سمع من الخلفاء الأربعة وسعد وحذيفة بن اليمان وأبي موسى الأشعري،ولازم ابن مسعود،وجوَّد عليه القرآن وتفقه على يديه،وكان واحدا من ستة تلاميذ لابن مسعود كانوا يفتون ويقرءون،ومنهم الأسود بن يزيد ابن أخي علقمة،وقد روى عن أبي بكر وعمر ومعاذ بن جبل وحذيفة بن اليمان وبلال..
وكان هؤلاء العلماء الشباب يتلقون العلم في عهد الراشدين بطرق عديدة،أهمها مصاحبة الصحابي وملازمته كما كان شأن تلاميذ ابن مسعود. وغلب عليهم العنصر العربي،وكان الموالي كالحسنِ البصريِّ ـ قلةً،عكس الحال في دولة بني أمية التي برز فيها الكثير من العلماء الأجلاَّء من غير العرب،وارتفع عند الناس شأنهم بعلمهم وزهدهم.
لقد ساح المسلمون في العالم وفتحوا منه مساحات واسعة في عهد الخلفاء الراشدين،وكان سكان الكثير من البلاد المفتوحة أهل حضارة ومدنية،لديهم علوم ومعارف قد لا يكون للعرب منها شيء،أوْ لَهُمْ منها شيء قليل،مثل الطب والفلسفة والهندسة والفلك،كما كان من بين المدن المفتوحة مدن اشتهرت بالنشاط العلمي والفكري،كالإسكندرية وجنديسابور وحران،وشهدت الشام ومصر حتى قبيل الفتح وفي أثنائه خلافات مذهبية عنيفة بين فرق النصارى الذين اختلفوا في طبيعة المسيح،ودار النقاش بينهم هادئا أحيانا وعنيفًا في أغلب الأحيان.
وورث الإسلام حكم هذه البلاد في عهد الراشدين وفيها هذا الميراث المختلط،وازداد التداخل حينما اعتنقت الإسلام جموع كبيرة من الفرس والروم وأهل مصر وعرب العراق والشام والجزيرة،وهؤلاء إذا لم يكونوا دخلوا في الإسلام ومعهم علومهم وفلسفاتهم فقد دخلوه ولهم طرق تفكيرهم ومعاشهم الخاصة...
كان من الممكن أن يتأثر المسلمون بهذا تأثرًا شديدًا منذ عهد الراشدين،لكن حال دون ذلك قصر فترة حكمهم التي لم تتجاوز ثلاثين عاما،ومَنْعُ الراشدين من تعلم علوم الآخرين خشية أن تكون تعاليم دينية تشغل عن القرآن وتخالفه،كما أن عمر بن الخطاب ومن بعده من الراشدين كانوا يجعلون لجيوشهم مدنا ومعسكرات منفصلة عن سكان البلاد الأصليين كما كان الحال في البصرة والكوفة والفسطاط،وبذلك تكون فترة الراشدين قد مرت دون أي تأثُّرٍ علمي أو ثقافي بأهل البلاد التي فتحوها.
فقط يمكن ملاحظة أن بعض الصحابة أتقنوا بعض اللغات كما هو حال زيد بن ثابت الذي كان يقرأ اللسان العبري،وبعضهم اطَّلع على كتب السابقين الدينية،كعبد الله بن عمرو بن العاص الذي كان على معرفة بشيء من التوراة،وذكر صفة النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ فيها كما روى البخاري عنه.
وانفتح الباب واسعا للرواية من كتب أهل الكتاب بدخول من دخل منهم في الإسلام،وإن كان الصحابة منهم كأبيّ بن كعب وتميم الداري وعبد الله بن سلام يتورعون في هذه الناحية ـ فإن من