على اختيار وُلاتهم من أهل العلم،وجعلوا تفقيه الناس في دينهم من مهمات الولاة الأساسية،كما ترك الجزيرة كثير من علماء الصحابة في صحبة المجاهدين والفاتحين،فانتفع بهم الناس وأخذوا عنهم العلم.
لقد تحول العلماء في هذا العصر إلى نجوم هدى تضيء في سماء الدنيا،فزيادةً على الخلفاء الأربعة أضاء في سماء العلم كثير من المهاجرين والأنصار،فكان زيد بن ثابت وأبي بن كعب وعبد الرحمن بن عوف في المدينة،وعبد الله بن عمرو في مصر،وعبد الله بن مسعود وأبو موسى الأشعري في العراق،ومعاذ بن جبل وأبو عبيدة بن الجراح وأبو الدرداء في الشام ...
ولم يقتصر مقام العالم في عهد الراشدين على كبار الصحابة وذوي السابقة والتاريخ الطويل في خدمة الدين والعمل له،بل شمل أيضا ذوي المواهب من الشباب،كعبد الله بن عمر،وعبد الله بن عباس الذي كان عمر بن الخطاب يُدْنيه ويقرّبه،ويسأله عن معاني القرآن،وقد تكونت القاعدة العلمية لابن عباس في أيام الخلفاء الراشدين،فتلقى العلم عن كبار الصحابة،وخاصة من الأنصار،ثم سطع نجمه وبزغ بصورة أكبر بعد الراشدين.
وفي نفس هذه الفترة تربَّى كبار التابعين الذين أخذوا العلم عن كبار الصحابة وعلى رأسهم الخلفاء الراشدون.
ومن الجوانب العلمية لهذا العصر مقاومة الأفكار الهدامة،والحيلولة دون انتشارها وإضرارها بدين الناس ومعاشهم.
لم يدون الصحابة إلا القرآن الكريم وقليلا من السنة،وبقيَ أغلب حديث رسول الله،واجتهادات الصحابة في فهم كتاب الله تعالى،واستنباطاتهم في المسائل التي لا يجدونها في قرآن ولا سنة ـ بقيَ كل ذلك محفوظا في الصدور وفى ذاكرة رجال لهم مؤهلات خاصة لحفظ هذا التراث الضخم وصيانة هذه الكنوز الثمينة،وهذا الجيل الذي تلقى العلم على يد الصحابة هم التابعون،وكبارهم هم الذين تعلَّموا ورووا عن كبار الصحابة،وعلى رأسهم الخلفاء الأربعة ومن مات في خلافتهم من أصحاب رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - .
ولقد كان كبار التابعين خير خلف لخير سلف،فوعوا العلم وحفظوا الحكمة التي سمعوها من أفواه الصحابة،وكانوا أمناء على ذلك لا يكذبون ولا يبدلون،وإن كانت لهم اجتهاداتهم الخاصة،وأول هؤلاء سعيد بن المسيب الذي تزوج ابنة أبي هريرة،وروى عنه علما كثيرًا وسمع عمر بن الخطاب وهو يخطب،وسمع عثمان وزيد بن ثابت وعائشة وسعد بن أبي وقاص،وكان أعلم الناس بقضاء رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ وأبي بكر وعمر وعثمان ... ومن كبار التابعين أيضا الحسن بن يسار البصري كان أبوه من أسرى عين التمر،ونشأ الحسن بالمدينة وحفظ القرآن في خلافة عثمان،وسمعه يخطب مراتٍ،وحدَّث عنه وعن عمران بن حصين والمغيرة بن شعبة.