كان يُحِسُّ بدنوِّ أجله فرفض ذلك،ولما طُعِن عمر بن الخطاب جاءوا إليه بطبيب من العرب ثم طبيب آخر من الأنصار فأخبرهم بأن الطعنة قاتلة.
ولما جاءت موجة الفتوح التي حققتْ عالميةَ دولة الإسلامِ دخلت في الإسلام أممٌ لها حظ من علوم الدنيا،كما اطلع العرب المسلمون على ذلك وعقولُهم مستعِدَّةٌ لتلَقِّي كلِّ نافعٍ،والأخذِ بكل مفيد،لذا كان النتاج العلمي للحضارة الإسلامية فيما بعد شيئًا رائعًا.
وقفت الخلافة الراشدة منذ أول يوم لها تحرس الدين والمجتمع من الأفكار الهدَّامة والآراءِ المنحرفة،بالقوة والشدة أحيانا،وباللين والحوار أحيانا،وأيقن الخلفاء أن هذا الأمر من أهم مهماتهم،ولو لم يقم الإمام به فلن يصبح لوجوده أهمية...
لقد وقف أبو بكر يحمي حِمَى الدين ضد محاولات الانتقاص منه التي قام بها مانعو الزكاة،وضد محاولات اللعب بالإسلام التي تبناها المرتدون ومدعو النبوة،ولم يهدأ الخليفة ومن حوله حتى دفنوا هذه الأفكار تحت أطباق الثرى...
ورفض المهاجرون فكرة بعض الأنصار"منا أمير ومنكم أمير"إذ أحسوا بأن في ذلك هدما محققا للكيان السياسي للأمة،وإن لم يقصد الأنصار ذلك.
وجاء الفاروق عمر سيلا يجرف كل بدعة ويقتل كل فتنة،فحارب بقوة كلَّ الأفكار التي تحيد عن الصواب،وتخالف الحق،فعاقب رجلا تكلم في المتشابه من القرآن حتى أقلع عن بدعته،ومنع من قراءة كتاب قديم وجده بعض الجنود عند فتح المدائن مخافة أن يشغله عن القرآن...
وفي عهد عثمان أطلت الفتنة برأسها،وبرزت خلافات سياسية واعتراضات صارخة ظالمة على الخليفة،وقفت خلفها المطامع والأهواء وسوء الفهم،ولم يكن للخلاف الفكري فيها نصيب.
أما في عهد عليّ بن أبي طالب،فقد واجه أمير المؤمنين وأنصاره الكثير من الأفكار المنحرفة،خاصة من الخوارج الذين أرسل إليهم الخليفةُ عبد الله بن عباس ليحاججهم ويحاورهم،فساق إليهم البراهين الواضحة والأدلة البينة على خطأ موقفهم من عليّ وخطأ تكفيرهم إياه،حتى تاب منهم ألفان،وقتل أكثر الباقين في النهروان.
بل عانى أمير المؤمنين أشد المعاناة من شطحات بعض أنصاره وأشياعه،فقتل من غالى فيه حتى وصفوه بالألوهية ثم أحرقهم.
وناقش قَدَريا لم يفهم معنى مشيئة الله تعالى،فأخذ يجلو له المسألة حتى تبينت الحقائق وظهرت.
ظلت المدينة المنورة مقرا للخلفاء الراشدين إلى أن انتقل عليّ بن أبي طالب إلى الكوفة،ولم ينس الخلفاء أن المسلمين في كل موطن لا يستغنون عن وجود علماء الصحابة بينهم،يعلمونهم دينهم،ويرشدونهم إلى ما فيه نفعهم،ويفتونهم فيما يجدّ لهم من المسائل والفتاوى؛ لذا حرص الراشدون