الصفحة 392 من 604

تحولت كل ميادين الحياة إلى أماكن لتلقي العلم،ويقف المسجد على رأس هذه الميادين،فقد كان الخلفاء والأمراء والخطباء والوعاظ يتخذون من المنابر نافذة لإلقاء العلم على الناس.. ولم يكن صعود المنبر مرتبطا بخطبة الجمعة وحدها،بل كان موضعا لكل ما يلقى في المسجد من خطب مهمة،كما شهدت المساجد مجالس القراءة التي يتعلم الناس فيها القرآن،فترنَّمَ أبو موسى الأشعري وتغنى بالقرآن في جنبات مسجد البصرة يعلم الناس ويُقْرِئهم،وفعل مثله آخرون بمساجد المدينة والكوفة ومصر والشام وغيرها،وشهدت المساجد حلقات العلم التي يتحلق فيها المستمعون أو يتراصُّون أمام عالم من علماء الصحابة يستمعون إليه،كما كان حال أبيّ بن كعب في المدينة المنورة،أو أمام قاصٍّ يقص عليهم من سيرة السابقين كما كان في مصر والكوفة والبصرة وغيرها.

وكثيرا ما كان بيت العالم موضعا لتلقي العلم،كما كان حال ابن مسعود،وكان ابن عباس يذهب إلى كبار الصحابة في بيوتهم ليسألهم عن العلم والسنة.

ووُجدت أيضا مكاتب يتلقى الغلمان فيها العلم،ويحفظون كتاب الله فيها وفي المساجد.

وتحولت معسكرات الجيوش الإسلامية في كثير من الأحيان إلى مدارس واسعة لتدارس معاني الجهاد في سبيل الله،كما حدث في القادسية حينما راح جيش المسلمين يحفظ سورة الأنفال ويتدارَسُ معانيها.

وفرضت مواقف الحياة النشيطة حينئذ طَرْح قضايا كثيرة ناقشها الصحابة وعالجوها بما عندهم من العلم في الموضع الذي طرحت فيه،فقد اختلف الصحابة وهم على مشارف الشام في دخولها أو عدم دخولها حين أصابها الطاعون،فأخبرهم عبد الرحمن بن عوف بنهي الرسول ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ عن دخول الموضع الذي يضربه الطاعون لمن هو خارجه...

وظهرت الرحلة والانتقال من بلدٍ إلى بلدٍ طلبًا للعلم،فسافر جابر بن عبد الله إلى الشام ليسمع من عبد الله بن أُنيس حديثًا لم يكن سمعه من رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - .

بُعث رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ في أمة تجهل أمر دينها،وتعلم القليل من أمر دنياها،فتعلمت على يديه الدين الحق،ولم يكن من مهمات هذا الدين أن يعلّم الناسَ الطبَّ والهندسةَ والجغرافيا،ومع ذلك فقد كان من عظمته أن يُعِدَّ العقلَ البشريَّ للنبوغ في هذه العلوم،بالأخذ عن الآخرين،وإفساح المجال أمام العقل ليفكر ويبدع ويضيف إلى ما أنتجه الآخرون،وأورد القرآن والسنة إشاراتٍ عن هذه العلوم التي لم يكن للعرب قبل الإسلام أي معرفة بها إلا في حدودِ القشورِ أو أقل،إثباتا لإعجاز القرآن ولفتا للأنظار إلى أهمية هذه المعارف والعلوم.

لقد كان في عهد الراشدين علماءُ بالأنسابِ،وهو علم قريبٌ من التاريخ،يدور حول معرفة نسب القبائل والرجال،وكان أبو بكر بارزا في هذا الأمر،وتعلمتْه منه السيدة عائشةُ ابنتُه،وجبير بن مطعم،كما كان هناك أطباء،وقد حاول البعض أن يستدعي لأبي بكر طبيبا وهو في مرض موته،لكنه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت