الصفحة 391 من 604

وتحولت معسكرات الجيوش الإسلامية في كثير من الأحيان إلى مدارس واسعة لتدارس معاني الجهاد في سبيل الله،كما حدث في القادسية حينما راح جيش المسلمين يحفظ سورة الأنفال ويتدارَسُ معانيها.

وفرضت مواقف الحياة النشيطة حينئذ طَرْح قضايا كثيرة ناقشها الصحابة وعالجوها بما عندهم من العلم في الموضع الذي طرحت فيه،فقد اختلف الصحابة وهم على مشارف الشام في دخولها أو عدم دخولها حين أصابها الطاعون،فأخبرهم عبد الرحمن بن عوف بنهي الرسول ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ عن دخول الموضع الذي يضربه الطاعون لمن هو خارجه...

وظهرت الرحلة والانتقال من بلدٍ إلى بلدٍ طلبًا للعلم،فسافر جابر بن عبد الله إلى الشام ليسمع من عبد الله بن أُنيس حديثًا لم يكن سمعه من رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - .

بُعث رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ في أمة تجهل أمر دينها،وتعلم القليل من أمر دنياها،فتعلمت على يديه الدين الحق،ولم يكن من مهمات هذا الدين أن يعلّم الناسَ الطبَّ والهندسةَ والجغرافيا،ومع ذلك فقد كان من عظمته أن يُعِدَّ العقلَ البشريَّ للنبوغ في هذه العلوم،بالأخذ عن الآخرين،وإفساح المجال أمام العقل ليفكر ويبدع ويضيف إلى ما أنتجه الآخرون،وأورد القرآن والسنة إشاراتٍ عن هذه العلوم التي لم يكن للعرب قبل الإسلام أي معرفة بها إلا في حدودِ القشورِ أو أقل،إثباتا لإعجاز القرآن ولفتا للأنظار إلى أهمية هذه المعارف والعلوم.

لقد كان في عهد الراشدين علماءُ بالأنسابِ،وهو علم قريبٌ من التاريخ،يدور حول معرفة نسب القبائل والرجال،وكان أبو بكر بارزا في هذا الأمر،وتعلمتْه منه السيدة عائشةُ ابنتُه،وجبير بن مطعم،كما كان هناك أطباء،وقد حاول البعض أن يستدعي لأبي بكر طبيبا وهو في مرض موته،لكنه كان يُحِسُّ بدنوِّ أجله فرفض ذلك،ولما طُعِن عمر بن الخطاب جاءوا إليه بطبيب من العرب ثم طبيب آخر من الأنصار فأخبرهم بأن الطعنة قاتلة.

ولما جاءت موجة الفتوح التي حققتْ عالميةَ دولة الإسلامِ دخلت في الإسلام أممٌ لها حظ من علوم الدنيا،كما اطلع العرب المسلمون على ذلك وعقولُهم مستعِدَّةٌ لتلَقِّي كلِّ نافعٍ،والأخذِ بكل مفيد،لذا كان النتاج العلمي للحضارة الإسلامية فيما بعد شيئًا رائعًا.

ظلت العلوم التي تدور حول الإسلام هي سيدة الموقف في الحياة العلمية للمسلمين أيام الخلفاء الراشدين،فقد جاء الإسلام إلى أمة أمِّيَّة ليس عندها من العلم إلا ما دار حول الفصاحة في القول والبلاغة في العبارة،فمنحهم الإسلام علمَ الدين الصحيح،وفتح عقولهم وأعدها للإبحار في علوم الدنيا..

ولما كان علم الدين هو سيد الموقف،وكان هذا الدين داخلا في كل ناحية من نواحي الحياة،ومعالجًا كل القضايا البشرية الكبرى: من أين أتيت؟ ولم جئت؟ وإلى أين المصير؟ - لما كان الأمر هكذا،فقد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت