وفي بداية الإسلام كان القادرون على القراءة والكتابة بين العرب قلة قليلة،انتفع رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ بمن أسلم منهم في كتابة الوحي وتسجيله... وفي عهد الراشدين اتسعت قاعدة القادرين على القراءة والكتابة بسبب الوعي الكبير الذي زود به الإسلام أتباعَه،والفتوحِ التي وسعت مجال حركة المسلمين في العالم،وأعطتهم السيطرة على شعوب أعرق من العرب في معرفة القراءة والكتابة...
وإذا كان بعض الأميين قد سعى إلى إزالة أميته،مثل أم المؤمنين حفصة بنت عمر،فإن جيل أبناء الصحابة وأقرانهم قد نال حظا أوفر من الاهتمام بتعلم القراءة والكتابة في السياق العام لتعلم الدين والفقه بأحكامه،كما نرى عبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير وعروة بن الزبير وغيرهم.
وقد نال القراء والكتاب احتراما خاصا من المجتمع في عهد الخلفاء الراشدين،حتى استعملهم الخلفاء في كتابة رسائل الدولة،فكان زيد بن ثابت من كُتَّابِ أبي بكر،وكتب لعمر على ديوان الكوفة أبو جَبيرة بن الضحاك،ولعثمان على ديوان المدينة عبد الملك بن مروان،وكتب سعيد ابن نمران الهمداني لعلي بن أبي طالب.
ظلت العلوم التي تدور حول الإسلام هي سيدة الموقف في الحياة العلمية للمسلمين أيام الخلفاء الراشدين،فقد جاء الإسلام إلى أمة أمِّيَّة ليس عندها من العلم إلا ما دار حول الفصاحة في القول والبلاغة في العبارة،فمنحهم الإسلام علمَ الدين الصحيح،وفتح عقولهم وأعدها للإبحار في علوم الدنيا..
ولما كان علم الدين هو سيد الموقف،وكان هذا الدين داخلا في كل ناحية من نواحي الحياة،ومعالجًا كل القضايا البشرية الكبرى: من أين أتيت؟ ولم جئت؟ وإلى أين المصير؟ - لما كان الأمر هكذا،فقد تحولت كل ميادين الحياة إلى أماكن لتلقي العلم،ويقف المسجد على رأس هذه الميادين،فقد كان الخلفاء والأمراء والخطباء والوعاظ يتخذون من المنابر نافذة لإلقاء العلم على الناس.. ولم يكن صعود المنبر مرتبطا بخطبة الجمعة وحدها،بل كان موضعا لكل ما يلقى في المسجد من خطب مهمة،كما شهدت المساجد مجالس القراءة التي يتعلم الناس فيها القرآن،فترنَّمَ أبو موسى الأشعري وتغنى بالقرآن في جنبات مسجد البصرة يعلم الناس ويُقْرِئهم،وفعل مثله آخرون بمساجد المدينة والكوفة ومصر والشام وغيرها،وشهدت المساجد حلقات العلم التي يتحلق فيها المستمعون أو يتراصُّون أمام عالم من علماء الصحابة يستمعون إليه،كما كان حال أبيّ بن كعب في المدينة المنورة،أو أمام قاصٍّ يقص عليهم من سيرة السابقين كما كان في مصر والكوفة والبصرة وغيرها.
وكثيرا ما كان بيت العالم موضعا لتلقي العلم،كما كان حال ابن مسعود،وكان ابن عباس يذهب إلى كبار الصحابة في بيوتهم ليسألهم عن العلم والسنة.
ووُجدت أيضا مكاتب يتلقى الغلمان فيها العلم،ويحفظون كتاب الله فيها وفي المساجد.