الصفحة 389 من 604

تركز الاهتمام بالتدوين والكتابة في عهد الراشدين على القرآن الكريم،ولم يكن في طاقة فترة قصيرة كتلك التي حكم فيها أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ أن تتحمل تدوين القرآن والسنة معا،وقد أفاد عدم تدوين السنة في هذه الفترة المبكرة إفادات جليلة،على رأسها أن القرآن بقي له تميزه وتفرده،وبقيت له طرق روايته القصيرة الكثيرة المباشرة،فهو برواية آلاف من الصحابة عن رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - .

وتروي عائشة أن أباها الصديق جمع بعض أحاديث رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ ثم عاد وأحرقها مخافة أن يكون رواتها قد أخطأوا،وعزم عمر الفاروق على تدوين السنة وجمعها،لكنه رجع عن ذلك خشية أن يختلط بالقرآن غيره.

وبقيت أحاديث رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ متداولة تداولا شفاهيا طوال هذه الفترة،غير أن الراشدين حرصوا كل الحرص على الدقة التامة في هذا التداول،فكان أبو بكر وعمر يطلبان من الراوي أن يأتي بشاهد يشهد أن رسول الله قال هذا أو فعله،وخشي عثمان أن يخطئ أو يسهو في الحديث،فمال إلى التقليل من نسبة القول أو الفعل إلى رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ وكان عليّ بن أبي طالب يطلب من الصحابي الذي يحدثه عن رسول الله أن يُقْسِمَ أنه رأى هذا أو سمعه.

لقد ثبت لدى الخلفاء الراشدين وعلماء وقتهم أن من كذب على رسول الله متعمدا فالنار مضمونة له،فحرصوا جميعا على ألا ينسبوا القول أو الفعل إلى النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ إلا إذا اطمأنوا إلى دقة حفظهم له،لذا فإن كثيرا من سنة رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ وردت على ألسنة الخلفاء الراشدين المهديين غير مسندة إلى النبي الكريم.

وكان صهيب الرومي لا يحب أن يقول قال رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ كذا،ويكتفي برواية ما شاهد من الأحداث والغزوات،وتمر السنة على ابن مسعود لا يحدِّث فيها عن رسول الله،فإذا حدَّث عنه ظهر عليه الخوف،وتحدَّر من جبينه العرق.

أما أبو هريرة،فكان نموذجا لسعة الحفظ والرواية عن رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ حتى لامه البعض لكثرة روايته،فذكَّرهم بانشغال الناس ببيوتهم وبيعهم وشرائهم،وتفرغه هو لصحبة رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ الذي دعا له بسعة الحفظ فلم ينس شيئا.

وأما عبد الله بن عمرو،فكان يُحَدِّثُ من صحيفته الصادقة التي كتبها من أيام النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - .

منذ لحظة الوحي الأولى والعلاقة بين الإسلام والقراءة متينة قوية،حيث نزل القرآن على النبي الأمي يأمره بالقراءة باسم ربه الذي خلق.. وقد حفز موقفُ الإسلام من العلم واحترامُه لأهله ـ حفز المسلمين وشجعهم على تعلُّم القراءة،ونشأ أول جيل من الصحابة واعيا بأهمية هذه القضية،وأن طريق المعرفة يتيسَّر أمام الناس بمعرفتهم القراءة والكتابة..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت