التقليل من نسبة القول أو الفعل إلى رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ وكان عليّ بن أبي طالب يطلب من الصحابي الذي يحدثه عن رسول الله أن يُقْسِمَ أنه رأى هذا أو سمعه.
لقد ثبت لدى الخلفاء الراشدين وعلماء وقتهم أن من كذب على رسول الله متعمدا فالنار مضمونة له،فحرصوا جميعا على ألا ينسبوا القول أو الفعل إلى النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ إلا إذا اطمأنوا إلى دقة حفظهم له،لذا فإن كثيرا من سنة رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ وردت على ألسنة الخلفاء الراشدين المهديين غير مسندة إلى النبي الكريم.
وكان صهيب الرومي لا يحب أن يقول قال رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ كذا،ويكتفي برواية ما شاهد من الأحداث والغزوات،وتمر السنة على ابن مسعود لا يحدِّث فيها عن رسول الله،فإذا حدَّث عنه ظهر عليه الخوف،وتحدَّر من جبينه العرق.
أما أبو هريرة،فكان نموذجا لسعة الحفظ والرواية عن رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ حتى لامه البعض لكثرة روايته،فذكَّرهم بانشغال الناس ببيوتهم وبيعهم وشرائهم،وتفرغه هو لصحبة رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ الذي دعا له بسعة الحفظ فلم ينس شيئا.
وأما عبد الله بن عمرو،فكان يُحَدِّثُ من صحيفته الصادقة التي كتبها من أيام النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - .
منذ لحظة الوحي الأولى والعلاقة بين الإسلام والقراءة متينة قوية،حيث نزل القرآن على النبي الأمي يأمره بالقراءة باسم ربه الذي خلق.. وقد حفز موقفُ الإسلام من العلم واحترامُه لأهله ـ حفز المسلمين وشجعهم على تعلُّم القراءة،ونشأ أول جيل من الصحابة واعيا بأهمية هذه القضية،وأن طريق المعرفة يتيسَّر أمام الناس بمعرفتهم القراءة والكتابة..
وفي بداية الإسلام كان القادرون على القراءة والكتابة بين العرب قلة قليلة،انتفع رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ بمن أسلم منهم في كتابة الوحي وتسجيله... وفي عهد الراشدين اتسعت قاعدة القادرين على القراءة والكتابة بسبب الوعي الكبير الذي زود به الإسلام أتباعَه،والفتوحِ التي وسعت مجال حركة المسلمين في العالم،وأعطتهم السيطرة على شعوب أعرق من العرب في معرفة القراءة والكتابة...
وإذا كان بعض الأميين قد سعى إلى إزالة أميته،مثل أم المؤمنين حفصة بنت عمر،فإن جيل أبناء الصحابة وأقرانهم قد نال حظا أوفر من الاهتمام بتعلم القراءة والكتابة في السياق العام لتعلم الدين والفقه بأحكامه،كما نرى عبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير وعروة بن الزبير وغيرهم.
وقد نال القراء والكتاب احتراما خاصا من المجتمع في عهد الخلفاء الراشدين،حتى استعملهم الخلفاء في كتابة رسائل الدولة،فكان زيد بن ثابت من كُتَّابِ أبي بكر،وكتب لعمر على ديوان الكوفة أبو جَبيرة بن الضحاك،ولعثمان على ديوان المدينة عبد الملك بن مروان،وكتب سعيد ابن نمران الهمداني لعلي بن أبي طالب.