الصفحة 387 من 604

القرآن،أو يفتي بشيء فيجعل كتاب الله أول مصدر لفتواه،أو يصوِّب للناس تفسير آية من القرآن أساءوا فهمها وأخطأوا في تفسيرها،غير أنهم كانوا يهابون الكلام في كتاب الله،ويخشون الوقوع في الخطأ كما كان حال أبي بكر وعمر،وكان عليّ يدعو الناس إلى سؤاله عما لا يعلمون من كتاب الله تعالى،يخشى عليهم أن يذهبوا إلى من لا يعلم فيفتيهم بغير الصواب فيضلوا.

أما في جانب الفتوى،فقد كانت الحياة تقذف كل يوم بجديد يحتاج إلى من يفتي الناس فيه،فكان الخلفاء الأربعة على رأس المفتين في دولتهم.

"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي.."هكذا زكى رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ طريقة الخلفاء الراشدين وسنتهم،وجعلها تابعة لطريقته وسنته،وكان الأربعة ـ رضي الله عنهم ـ أوعية مملوءة بالعلم والفقه،تعرض عليهم الفتوى فإذا وجدوها في كتاب الله - تعالى - قالوا به،وإن لم يجدوها فيه التمسوها في سنة رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ وكان أبو بكر يسأل الصحابة في المسألة وما سمعوه فيها من رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ فإن لم يجد عندهم سنة فيها استشارهم،فإن اجتمعوا على شيء أخذ به،وإلا اجتهد هو بنفسه للوصول إلى الصواب غير مُقصِّر.. وكان عمر يقدم فتوى أبي بكر بعد الكتاب والسنة،فإن لم يجد استشار الصحابة،فإذا اجتمعوا على أمر قضى به،وإلا اجتهد وقاس المسائل على أشباهها ونظائرها،وحرص عثمان على إشراك الصحابة فيما يعرض له من فتاوى وقضايا.. وكان عليّ مقرَّبًا من عمر وعثمان،ومخصوصا بكثرة استشارتهما له في مسائل تعرض لهما،فلما تولى عليّ الخلافة،لم يغير كثيرا فيما اعتمده الثلاثة قبله،وإن ازداد اعتماده على نفسه في هذا الميدان،لكثرة علمه،وموت الكثير من علماء الصحابة وكبارهم قبل خلافته،مثل عبد الرحمن بن عوف ومعاذ بن جبل وعبد الله بن مسعود وأبيّ بن كعب...

تركز الاهتمام بالتدوين والكتابة في عهد الراشدين على القرآن الكريم،ولم يكن في طاقة فترة قصيرة كتلك التي حكم فيها أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ أن تتحمل تدوين القرآن والسنة معا،وقد أفاد عدم تدوين السنة في هذه الفترة المبكرة إفادات جليلة،على رأسها أن القرآن بقي له تميزه وتفرده،وبقيت له طرق روايته القصيرة الكثيرة المباشرة،فهو برواية آلاف من الصحابة عن رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم -

وتروي عائشة أن أباها الصديق جمع بعض أحاديث رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ ثم عاد وأحرقها مخافة أن يكون رواتها قد أخطأوا،وعزم عمر الفاروق على تدوين السنة وجمعها،لكنه رجع عن ذلك خشية أن يختلط بالقرآن غيره.

وبقيت أحاديث رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ متداولة تداولا شفاهيا طوال هذه الفترة،غير أن الراشدين حرصوا كل الحرص على الدقة التامة في هذا التداول،فكان أبو بكر وعمر يطلبان من الراوي أن يأتي بشاهد يشهد أن رسول الله قال هذا أو فعله،وخشي عثمان أن يخطئ أو يسهو في الحديث،فمال إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت