الصفحة 386 من 604

الله - تعالى - معتمدا على الحفظ والكتابة معا،فلم يكن يكتب آية إلا إذا وجد عددا كبيرا من الصحابة يحفظونها،ووجد اثنين منهم على الأقل يشهدان بأنها كُتبت على عهد رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - .

كان الزمن الذي مر على وفاة رسول الله حينها قليلا قليلا،فهي أشهر معدودة،فكان القرآن غضا طريا على ألسنة الصحابة وفي صدورهم،ومكتوبا بوضوح وبيان على الأوراق والجلود والأحجار وغيرها،فسال الخير والبركة،حتى اكتمل جمع القرآن في كتاب واحد سماه أبو بكر بـ"المصحف"ورآه الخليفة وكبار الرجال من حوله،وشهدوا بدقته وضبطه،وظل المصحف لدى أبي بكر،حتى انتقل من بعده إلى عمر في خلافته،ثم إلى ابنته حفصة من بعد،حتى أمر عثمان بنسخ المصاحف التي أرسل بها إلى الأمصار اعتمادا على ما جمعه زيد بن ثابت،فكان من أعظم أعمال الخليفة الراشد الثالث ـ رضي الله عنه.

مرة أخرى يُسْتَدْعَى زيد بن ثابت لأمر يخص القرآن وجَمْعَه،ولكن معه هذه المرة عبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام،استدعاهم أمير المؤمنين عثمان وأمرهم أن يكتبوا من المصحف الذي جمع في خلافة أبي بكر عدة نسخ،فلماذا ؟

لقد ارتفعت أصوات الصحابة الكبار بالشكوى،وجاء حذيفة بن اليمان إلى أمير المؤمنين عثمان فزعا من أن الناس قد اختلفوا في كتاب الله - تعالى،إذ غزا المسلمون أرمينية وأذربيجان،فالتقى الكوفيون والبصريون والشاميون،فوجد كل فريق لدى الآخر طرقا لا يعلمها من قراءة القرآن،فأنكر كلٌّ على الآخر ما لديه،وكاد الشر ينشب بينهم،فطار حذيفة بن اليمان إلى وليّ أمر الأمة عثمان،ورجاه أن ينقذ الأمة من الخلاف ويجمعها على نسخة واحدة من القرآن،فاستدعى الخليفة زيد بن ثابت وأصحابه،وأمرهم بكتابة عدة نسخ من المصحف الذي جمعه زيد أيام أبي بكر،وراح زيد ومن معه ينجزون المهمة الجديدة في جد وإخلاص ودقة وإحكام حتى انتهوا منها،ونظر الخليفة عثمان ـ وهو ممن كتب الوحي لرسول الله ـ فيما أنجزوه،فأعجبه،وأثنى عليهم خيرا،وجعل من هذه المصاحف واحدا لأهل المدينة،ومصحفا لأهل مكة،ومصحفا لأهل البصرة،ومصفحا لأهل الكوفة،ومصحفا لأهل الشام،وواحدا لأهل اليمن،وآخر لأهل البحرين،وظل مصحف عثمان هو الأصل المعتمد عليه،فنسخ الناس منه وكتبوا عنه،واختفى كل ما يخالفه،ويسير على غير طريقته.

كان الخلفاء الراشدون الأربعة ألصقَ الناس برسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ وكانوا من المصدِّقين الأولين بالإسلام وشريعته،وما من أحد منهم إلا وقد تزوج رسول الله ابنته أو زوجه من بناته،وما من أحد منهم إلا شهد له رسول الله بالإيمان وبشره بالجنة،ولا يخلو واحد منهم من موهبة بارزة جعلت رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ يقربه ويولّيه مهماتٍ حساسةً في الدولة الإسلامية الوليدة.

لقد كان القرب من رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ ورجاحة العقل عاملَيْن مؤثرَيْن في علم الراشدين بكتاب الله تعالى،فكانوا جميعا يحفظون القرآن كله،وكان الخليفة يصعد المنبر فيضمن خطبته آيات من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت