الصفحة 385 من 604

وإن يكن المسجد والمنبر مكان التعليم الأول،فإن كل موضع في الحياة قد صلح أن يكون موضعا لتلقي العلم حينئذ،إذ كان العلم يدور بالأساس حول الدين،فكانت مواقف الحياة تثير العلم الذي في صدور الصحابة وغيرهم ليذكروا رأي الدين في هذه المواقف.

وإذا كان الإسلام قد تسلم المجتمع العربي أميا منذ جاهليته،فقد ارتفعت نسبة القادرين على القراءة والكتابة في فترة الراشدين وأعد الإسلام أصحابه لتلقي النافع من العلم الدنيوي والرقيِّ به،وظهر شكل جديد من أشكال تلقي العلم وهو الرحلة إلى العالم لأخذ العلم عنه.إنه واحد من أكبر الإنجازات التي تمت في عهد الخلفاء الراشدين،فالقرآن - رسالة الله الخاتمة إلى خلقه - لم يُجمَعْ في كتاب واحد في حياة رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ إذ كان متوقَّعا أن يتجدد الوحي،وينزل من القرآن جديدٌ،فلما توفى رسول الله أصبح القرآن تاما لا يُنْتَظَرُ أن يزيد عليه شيء،أو يُنْسَخَ منه شيء.

لقد كان القرآن محفوظا ـ كله أو شيء منه ـ في صدر كل واحد من الصحابة،وكان أيضا مكتوبا كله على رقاع من الجلد وصفائح من الحجارة وقطعٍ عراض من الخشب والعظام،وعُرض ما فيها على رسول الله فأقره،وكان البعض يَكتب الوحي بأمر الرسول له،والبعض الآخر يكتبه لنفسه بغير أمر.

وقبل انتهاء العام الذي توفي فيه رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ اشتد قتال الصحابة للمرتدين،وخاصة في معركة اليمامة التي استُشهد فيها سبعون من حفاظ القرآن،فقلق عمر ابن الخطاب لهذا الأمر،وراح يشير على أبي بكر بجمع كتاب الله تعالى،فاليمامة قد أكلت اليوم سبعين من قراء القرآن،فما يؤّمِّنُنا أن تأكل الحروب غدا غيرهم؟ وأبو بكر يستمع إلى عمر،ولا يرتاح إلى قوله،إذ كيف نفعل شيئا لم يفعله رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ؟ فراح عمر وقد سكنت نفسه إلى أن هذا الأمر فيه خير كثير - راح يقنع أبا بكر به حتى انشرح صدره لهذا الأمر،واقتنع بالفكرة،ثم راح الخليفة يفكر في الرجل الذي يولِّيه هذه المهمة الجليلة ويكلفه بها،فلم يجد أنسب لها من زيد بن ثابت؛ فهو شاب نشط،وممن كتبوا الوحي لرسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ وقد شهد العرضة الأخيرة للقرآن على رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ وحمل زيد المهمة الجليلة التي كلفه بها الخليفة،وراح ينفذها في دقة وإحكام.

نفر زيد بن ثابت من الاقتراح الذي ألقاه عليه أبو بكر بجمع القرآن نفورا شديدا،إذ كان شيئا لم يفعله رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ فأخذ الخليفة يُسَكِّنُ نفس العالم الشاب،ويطمئنه إلى الخير الكثير في هذا الأمر،حتى اقتنع زيد وانشرح صدره،وكم أحس زيد بثقل المسئولية،حتى ظهر نقلُ جبلٍ حجرًا حجرًا أهونَ عنده من جمع القرآن،لكن بقدر هذه المشقة سيكون الجزاء عند الله.

وبهمة عالية يحركها إيمان عميق راح زيد بن ثابت يُعِدُّ أدواته من الصحف والأقلام،ويعرف قَدْرَ المكثرين من حفظ كتاب الله تعالى،والذين تولَّوا كتابة الوحي لرسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ فجمع كتاب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت