الصفحة 403 من 604

وقد مثل كبارُ الصحابة ـ الذين كانوا يعدون بالمئات ـ قمةَ هذا المجتمع وطبقته الأولى،وعلى رأسهم العشرة المبشرون بالجنة وأهل بدر وشهود بيعة الرضوان.. هؤلاء كان منهم الخلفاء،ومستشاروهم ـ كعبد الرحمن بن عوف ـ وكثير من قادة الجيوش ـ كأبي عبيدة وحذيفة بن اليمان ـ ومن أمراء الأمصار ـ كسعد بن أبى وقاص ـ ومثلوا سند الجيوش الفاتحة في كثير من المعارك الشرسة ـ مثل اليمامة والقادسية واليرموك ـ وكان أعظم القادة ـ كخالد بن الوليد والمثنى بن حارثة ـ يحبون قتال كبار المهاجرين والأنصار إلى جوارهم...

وكان أبو بكر لا يولى أهل بدر إمارة ـ إلا فيما ندر ـ ضنا بهم أن تشغلهم الدنيا،كما لم يسمح عمر بخروج أحد من كبار المهاجرين من المدينة إلا إذا شعر بحاجة المسلمين خارجها إلى مثله،كما فعل حينما أرسل عبد الله بن مسعود إلى الكوفة معلما ووزيرا،وغرضه من ذلك الاعتماد عليهم واستشارتهم في أمور الأمة.

وقد احتل هؤلاء الصحابة موضعا متميزا في ضمير مجتمعهم،لسابقتهم في خدمة الدين،وثباتهم عليه في أشد الظروف وأضيقها،وزهدهم في الدنيا ومتاعها،كما كان لذكر القرآن لهم،وثناء النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ عليهم الأثر الأكبر في تثبيت مكانة هؤلاء الصحابة عند مجتمعهم.

وهذا لا يلغى الدور الاجتماعي البارز لبقية الصحابة كبارا وشبابا،بل لا يلغى دور كثير من المؤمنين في مجتمع الراشدين لم يصحبوا رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - .

كانت القدرة على الأداء المتميز هي مناط التكليف بالعمل في دولة الراشدين،ولم يكن أحد يؤخَّر لصغر سِنّه أو كبره،بل ربما قُدِّم الصغير على الكبير في شيء ما؛ لأن الصغير أبصر بهذا الأمر،فقد قاد أسامة بن زيد في صدر ولاية أبي بكر جيش المسلمين المعدَّ لغزو أطراف الشام ومعه تحت إمرته كثير من الصحابة الكبار،وبرز عبد الله بن عباس في مجالس عمر بن الخطاب في محضرٍ من كبار الصحابة وولاه على إمارة الكوفة،وامتاز عبد الله بن عمر بسعة العلم وشدة الورع والزهد،وجعله أبوه أحد المستشارين في اختيار الخليفة بعده،وكان لعبد الله بن الزبير دور بارز في فتح إفريقية حتى نفذ من بين الصفوف،وقتل ملك البربر،وقام الحسن والحسين وغيرهما من شباب الصحابة بحراسة أمير المؤمنين عثمان من الثائرين ضده،وانتظروا إذن الخليفة لهم ليقاتلوا أعداءه،لكنه لم يأذن لهم،ولم يقصروا هم في واجبهم نحوه.

لقد بسطت دولة الراشدين يدها إلى كل من له قدرة على العطاء من الصحابة وغيرهم،ومن الشباب ومن سواهم ـ ليشارك الجميع في العطاء،وظل النتاج الاجتماعي العام إيجابيا في ظل انشغال الرعية بالعمل والراعي بالعدل،فلما راحت العامة تعترض على وليّ الأمر بغير بينة ولا دليل انتقضت الأمور وساد الاضطراب حياة الأمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت