سلطته أن يختار أمراء الجيوش،ويعزلهم ويجبى الخراج والزكاة،ويقيم الحدود ..لكن ذلك كله يبقى مرتبطا بالعمل في ضوء الشرع الحكيم وعلى نوره..
وقد أضاف الراشدون إلى ذلك آدابا عظيمة،مثل التدقيق في اختيار عمالهم ونوابهم على أقاليم الدولة،واستشارة أولي الرأي فيمن يصلح لهذه المهمة أو تلك،ومتابعة من يتولى للمسلمين ولاية للتأكد من سلامة مسيرتهم،وحسن سيرتهم في خلق الله .
لقد استوعب الصدر النبوي الشريف كل السائرين مقتدين به على درب الهدى،لكن تميز بعض الصحابة عن بعض في الإيمان والعلم جعل رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ يدني ويقرب فريقا منهم أكثر من الآخرين،وأولهم أبو بكر وعمر،فكان يستشيرهما ويسألهما الرأي في مسائل كثيرة عرضت له،وعبر عن هذا القرب بقوله ـ - صلى الله عليه وسلم -:"أبو بكر وعمر وزيراي".
وفي فترة حكم الراشدين لم تختف هذه الصورة،بل كان الخليفة يتخذ ممن حوله رجالا أو رجلا أمينا راسخا في دينه،يقربه ويستشيره ويستعين برأيه،فكان عمر وزير أبي بكر،وعبد الرحمن بن عوف والعباس بن عبد المطلب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وزراء لعمر بن الخطاب ..
ولم تكن الوزارة لهذا العهد منصبا رسميا،ولا درجة من درجات الحكم في أثناء حكم الخلفاء الراشدين،وإنما كانت دورا فرضته حاجة الخليفة إلى اصطفاء البعض وتقريبهم إليه كبطانة تحضه على الخير،وتذكّره به.
وفي نفس هذه الفترة كان اتخاذ الوزراء عند دولة قديمة كالفرس نظاما معمولا به وله تقاليده الراسخة،وينال صاحبه لدى قومه منزلة رفيعة تلي منزلة كسرى .
ترك رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ رقعة واسعة من الأرض دخلها الإسلام أمانة في أعناق أصحابه،فكانوا نعم الحافظون للأمانة الصائنون لها،حتى اتسعت الدولة الإسلامية في عهد الراشدين اتساعا هائلا،وارتفع صوت القرآن والأذان في رقعة كبيرة من الأرض المعمورة حينئذ.
وكان لابد لهذه الدولة الواسعة من إدارة محكمة،تحكم تسيير شؤونها،وتجيد القيام على أحوال الرعية،فكان الخليفة يرسل نوابه أو عماله لإدارة ولايات الدولة أو قيادة الجيوش،كما عيّن للقضاء رجالا ذوى بصر دقيق وعلم غزير وفطانة واسعة. ودوّن عمر الدواوين لتنظيم العديد من الأعمال الإدارية المتعلقة بالجنود والعطاء وغيرهما،كما ضمن البريد في هذه الفترة المبكرة توفير وسيلة فعالة للاتصال بين أجزاء الدولة الإسلامية ..
وفي مرحلة متاخرة من حكم الراشدين الأربعة ظهرت نواة للشرطة التى تتولى الأمن الداخلي في البلاد .