يكون شديدا،قد يكون غنيا وقد يكون فقيرا،لكنه دائما يلزم نفسه بحدود الله وشرعه وحراسة الدين وحفظه.
وتبحر مع الخليفة الراشد في سفن الخير،فتراه نهرا واسعا لكل خير،تبصره بين الناس كواحد منهم،لا يتميز عنهم بثوب أو أكل إلا حسب الحاجة إلى ذلك.. قد يكون له راتب من خزانة المسلمين،وقد يستغنى بما لديه من مال،ولا يشغل نفسه بتجارة ولا بيع ولا شراء؛ لأن مصالح الأمة لن تعطيه فرصة لذلك.. قد تكون له شارات مميزة - مثل العصا التى كانت تلازم عمر - وقد لا تكون ..
إنه ليس إلها ولا نصف إله،وليس نبيا ولا نصف نبي،بل واحدا من خلق الله يجتهد في خدمة الدين والخلق.. ليس ظلا لله على أرضه،ولا كلامه وحيا .. ومهما تكن صفاته مثالية فإنه لا يستغنى أبدا عن معونة الأمة ومؤازرتها له بالنصح والإعانة والطاعة في المعروف.
لا يخلو مجتمع من صفوة مختارة ذات خبرة بمداخل الأمور ومخارجها،وصاحبة دراية بمن يصلح لهذه المهمة ومن يصلح لتلك .. ويتزين ذلك بأمانة معهودة فيهم وديانه اشتهروا بها،فيخرج لدينا أهل الحل والعقد،الذين يعقدون للخليفة ولايته،ولا يَحُلونها إلا إذا خالف الميثاق الذي يجمعه ورعيته،وهو حراسة الدين والوطن ورعاية مصالح الناس ..
ولا يدخل تحت أهل الحل والعقد عامة الناس،لقلة بصرهم بالأصلح لحمل الأمانة وتولي الإمارة،ولضعف فطانتهم الذي قد يؤدي بهم إلى الانخداع بالمظاهر وعدم إدراك الحقائق ...
والمرأة لا تعتاد ممارسة الحياة العامة،وتميل بها عاطفتها إلى اللين وقلة القدرة على حسم الأمور،لذا فقليلات منهن يصلحن للانضواء والدخول تحت أهل الحل والعقد ..
لقد شهد عصر الراشدين كثيرا من الأسماء الكبيرة التى ضمها أهل الحل والعقد،واختاروا للأمة خلفاءها،ثم بايعت الأمة استضاءة برأيهم،ومن هذه الأسماء:عبد الرحمن بن عوف،وأبو عبيدة بن الجراح،وعبد الله بن عمر،وسعد بن أبي وقاص.
نجوم مضيئة،وأقمار منيرة،كونوا أهل الحل والعقد بصورة تلقائية،لحرصهم على مصالح أمتهم،ولم يصدر قرار رسمي ولا غير رسمي بتكوينهم،وإنما كان في المجتمع حراك طبيعي نحو تيسير حركته،استضاءة بتعاليم الشريعة وسيرا على مبادئ الدين الحنيف،فأداهم ذلك إلى تصدر الميدان لاختيار الحاكم،ومساعدته في مهامه،وكان بعضهم قريبا من الخليفة بدرجة أشبه بالوزير.
لذيذ طعم الماء العذب،ورائع منظر تلاطم أمواج النهر .. ولكن لابد للنهر من شوطئ لمجراه تحفظ مسيره،وتنقله ليسقي البلاد والعباد .. كذلك الخليفة والأمير في صورته الراشدة حين يُختار يلتمس صاحب الخير،ويبحث عن القوي الأمين،وبعد ذلك لا تكون السلطة في يده مطلقة،ولكنها تعيش في مجراها بين شاطئين من الشريعة السمحة،ففي يد الأمير الراشد أن يعين الولاة على أقاليم الدولة،ومن