في مسجد رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ وقعد عثمان على المنبر،وازدحم عليه الناس يبايعونه بالخلافة وإمارة المؤمنين،حتى بايعه على بن أبي طالب نفسه. وذلك في اليوم الأخير من سنة ثلاث وعشرين من الهجرة.
كان الحسن والحسين ابنا علي بن أبي طالب من أبناء الصحابة الذين وجههم آباؤهم لحراسة الخليفة الجليل عثمان بن عفان وحمايته من الأشقياء الذين تجمعوا يريدون قتله .. وود حراس الخليفة لو أُذن لهم في قتال البغاة وردهم،وتحرقت أنفسهم شوقا إلى ذلك،لكن الخليفة الرفيق اللين أبى أن يُسال دم بسببه،حتى تجرأ عليه المجرمون وقتلوه ..
أصبح المسلمون في وسط هذه الفتنة التى اشتعلت حيارى،وراح الناس يبحثون عمن يتولى الخلافة من علي وطلحة والزبير،فكانوا يهربون منها ويختبئون،واجتمع الأنصار والمهاجرون فيهم طلحة والزبير حتى أتوا علي بن أبي طالب في داره،وألحوا عليه في قبول إمارة المؤمنين،وألح هو في رفضها،وفضل أن يكون وزيرا لأحدهم عن أن يكون أميرا للمؤمنين .
لكن ماذا يفعلون وليس فيهم خير منه،وقد أوشكت السفينة أن تغرق بالمسلمين،إذ علا صوت الثوار الأشقياء الذين تجرأوا على الخليفة الطاهر عثمان؟!
قبل علي إمارة المؤمنين وسط هذه الأمواج العاتية،وخرج مع الناس إلى المسجد حتى تكون البيعة علانية،فبايعه المهاجرون والأنصار عند منبر رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ في ذي الحجة من سنة خمس وثلاثين من الهجرة .
"ستكون نبوة ما شاء الله لها أن تكون،ثم يرفعها الله،ثم تكون خلافة راشدة..". (حديث شريف) .
الخلافة الراشدة.. إنها نموذج من نماذج الحكم وسياسة الخلق،وهو النموذج الذى يرضاه الإسلام كله .. وقد أهدت إلينا ثلاثون عاما من حكم الخلفاء الراشدين سمات مميزة له،وفارقة بينه وبين غيره مما طبقه البشر ويطبقونه في كل زمان ..
يقول لنا هذا النموذج: إن نصب الخليفة وإقامة الإمام واجب ومفروض على الأمة،تشهد بذلك أحداث سقيفة بنى ساعدة واجتماع الأنصار والمهاجرين فيها،وحرص كل خليفة من الراشدين على سلامة اختيار من يخلفه من أبناء الأمة.
وعلى الشورى يقوم اختيار الخليفة الراشد،الذى يرى منصبه مسئولية هائلة تلقى على كاهله،فهو يخشى الله أن يضيعها،وتتحدد سلطاته بحدود الشرع،وتجب على الامة طاعته مادام حافظا لهذه الحدود .
وتعلو في سماء الإنسانية الرفيعة،فترى في الخليفة الراشد صاحب إمكانات عالية في دينه وعقله وجسده تؤهله للقيام بمسئولياته،ومع ذلك فهو متواضع لله غير مستكبر على خلقه .. قد يكون لينا وقد