الصفحة 365 من 604

يقين المؤمن وثقته في الله تعالى:"ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟!"فثبت الصديق مع الرسول ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ وخرجا في طريق الهجرة حتى بلغا المدينة رفيقين في سفر صعب وطويل ..

وما أكثر ما أثنى النبي على صاحبه،واستشاره وقربه من نفسه،حتى كان مرض موته ـ عليه السلام ـ فأصر على أن يؤم الناس أبو بكر،وأمر بأن تقفل أبواب البيوت المؤدية إلى مسجده إلا باب بيت أبي بكر،وقال:"إن أمنَّ الناس عليّ في صحبته وماله أبو بكر،ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا،ولكن أخوة الإسلام".

رجل شديد قوي في رأيه وجسده،رآه أبو بكر وهو في مرض موته أكثر الناس مناسبة لتولي الخلافة من بعده،لكن الناس لم يتحملوا شدة عمر وهو بعيد عن الإمارة العامة،فكيف يطيقونها وهو أمير ممكن ؟!

كان أبو بكر أعلم الناس بعمر،فراح يستشير فيه كبار الصحابة وشيوخهم،فأثنوا عليه،وقالوا خيرا،ودافع أبو بكر عن شدة عمر بأنه يبدي الشدة حين يرى لينا في أمر الله،ويبدي لينا إذا رأى شدة أكثر مما ينبغي.

ولم يوص أبو بكر الأمة باختيار عمر من بعده إلا بعد أن اطمأن إلى أنه ليس هو وحده الذي يرى في عمر خيرا كثيرا،وقدرة على سياسة أمور الناس،بل إن كبار الصحابة يرون ذلك أيضا.. لقد علم أبو بكر أن المسلمين قد استأمنوه على أنفسهم،ورأى أن من صيانة الأمانة والنصح لأمته أن يوصي بعمر خليفة من بعده،ويقترحه لشغل هذا المنصب الخطير الذي يحتاج إلى إمكانات خاصة .

وراح الخليفة الجليل وهو على سرير الموت يملي وصيته على عثمان بن عفان،وعثمان يكتب،والخليفة يغمى عليه،ثم يعاود الإملاء بعد الإفاقة،حتى أوصى باستخلاف عمر دون أن يفرضه على الناس،فبويع بالخلافة في جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة .

لقد كانت بيعة عثمان بن عفان شكلا جديدا من أشكال تطبيق الشورى في اختيار الخلفاء الراشدين،إذ أوصى عمر بن الخطاب لما أشرف على الموت بأن تكون الخلافة من بعده في واحد من ستة بشرهم رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ بالجنة،ومات راضيا عنهم،وهم:عثمان،وعلي،وعبد الرحمن،وسعد،وطلحة،والزبير،واستبعد سعيد بن زيد لقرابته منه،وأبي أن يضم إلى الستة ابنه عبد الله بن عمر،وجعله حكما بينهم ومستشارا،وأمهلهم ثلاثة أيام بعد موته حتى يختاروا منهم رجلا ...

وبعد وفاة عمر ظلت المشاورات ثلاثة أيام،يقودها عبد الرحمن بن عوف الذى خلع نفسه،وتنازل عن حقه في الاختيار،وأخذ يشاور عثمان وعليا وسعدا والزبير،وكان طلحة غائبا"ودار عبد الرحمن لياليه يلقى أصحاب رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ ومن وافي المدينة من أمراء الأجناد وأشراف الناس يشاورهم،ولا يخلو برجل إلا أمره بعثمان". ومع أن الكفة في بعض المشاورات العلنية مالت في اليوم التالي إلى جانب علي،إلا أن عبد الرحمن بن عوف لم ينخدع بذلك،ورأى عثمان أرفق بالناس،فبايعه أمام الناس

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت