لكن الرسول غير خالد ولا دائم الحياة على هذه الأرض،ومن الضروري واللازم أن يظل التماسك والترابط بين أبناء أمته ويبقى،وأنسب الناس للقيام بذلك هو رجل من قوم الرسول أنفسهم: من قريش .. وهذا توظيف دقيق للعصبية في خدمة المبدأ .
وقد ثبتت أهمية هذا الشرط في اختيار الخليفة حينئذ في حوادث الردة،إذ جمعت شوكة قريش الممثلة في المهاجرين الأولين ـ جمعت حولها كل من ثبت على الإسلام،حتى أعادت للدين في جزيرة العرب هيبته وسلطانه .
كان من اليسير أن يعين الرسول ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ خليفة له قبل موته،ويحدده باسمه،ولن يكون في وسع أحد من الناس بعد ذلك أن يخالف،وإلا خرج من الدين،لكن القائد المعلم ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ أراد أن يعلم أمته الشورى في هذه الموقف الخطير،أراد منها أن تختار لنفسها وهى مستضيئة بمبادئ التربية التى تربوا عليها في ظل الإسلام .. فمات دون أن يوصي لأحد بخلافته ..
لكن كانت هناك تصريحات وإشارات نبوية لطيفة تجعل لأبي بكر فضيلة وتقدما على بقية الصحابة،هي التي حسمت اختيار الصديق ومبايعته بالخلافة بعد رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ يوم اجتمعت الأنصار في سقيفة بنى ساعدة لتختار خليفة منها،لكن علم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة أن الناس لن تدين ولن تخضع لسلطان أحد من غير قوم النبى ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ فسارعوا إلى السقيفة وأدركوا الأنصار وقد أوشكوا أن يبايعوا رجلا منهم،هو سعد بن عبادة،فخطب أبو بكر في الأنصار،وذكرهم بفضل المهاجرين الأولين وأن الناس لا تدين إلا لهم،كما ذكر فضل الأنصار وتأييدهم لرسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ فهم يأتون في الدرجة الأولى بعد المهاجرين الأولين مباشرة .
ورشح لهم أبو بكر أن يختاروا بين عمر بن الخطاب وأبي عبيدة بن الجراح،فقالا للصديق: لا والله لا نتولى هذا الأمر عليك،فإنك أفضل المهاجرين،وثاني اثنين إذ هما في الغار،وخليفة رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ على الصلاة،والصلاة أفضل دين المسلمين". فقام بشير بن سعد الأنصاري،فبايع أبا بكر ثم تابعه عمر وأبو عبيدة،ثم تتابع الناس على البيعة حتى أتت القبائل الثابتة على دينها فبايعت. وفي اليوم التالي قام عمر في الناس وزكى اختيار أبي بكر،فبايعه الناس البيعة العامة."
لم يكن أول الرجال إيمانا فحسب،بل كان الشاهد الأول للمواقف الحاسمة في تاريخ هذا الدين،فأعطى في الإسراء والمعراج قاعدة تختصر العلاقة بين النبي والمؤمنين به يوم قال:"إن كان قاله فقد صدق"،فما دام الرسول هو القائل فهو صادق،مهما تكن غرابة القول،ولو أخبر الناس أنه سافر إلى بيت المقدس ورجع في جزء من الليل .
وفي الهجرة كان أبو بكر ثاني اثنين أولهما رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ في غار ثور،يحتضنهما الغار احتضان الأم ولديها،وأبو بكر يرجف قلبه خوفا على النبي والدين،ولكن النبي يرش على نفس أبي بكر من