لم يستحدث الصحابة إرسال الولاة والعمال إلى ولايات دولتهم،فقد كان ذلك موجودا لدى الفرس والروم وغيرهم من الأمم،ولكن الخلفاء الراشدين استحدثوا في هذه الأمر الورع الشديد في اختيار من يولونه على الناس،حتى لا يتسلط أحد على رقاب الخلق،ولا يستبد أحد بأموال الناس،وحرصوا على أن يكون الوالي أو العامل صاحب قدرة على القيام بمهام منصبه،مع تدينه وورعه،وخضع العمال للمحاسبة والعقوبة أحيانا.
وقد كان مبدأ أبي بكر أن يقر عمال رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ في مواضعهم،واتسعت الدولة في عهد عمر بن الخطاب فزادت أهمية توظيف العمال على الولايات المختلفة،وجاء عثمان فأقر النظام الإداري الذى كان على عهد عمر،وبمرور الوقت قام بتبديل بعض الوجوه من الولاة،ووسع سلطان بعضهم،وفي فترة حكم علي بن أبي طالب عمل أمير المؤمنين على تغيير العديد من الولاة الذين رأى أنهم يسيرون على غير سيرة الأولين،من الزهد وقلة التوسع والاستكثار من الدنيا،فوقعت الأزمة الشهيرة بين علي بن أبي طالب ووالي الشام القوي معاوية بن أبي سفيان .
-يا خليفة رسول الله،ألا تستعمل أهل بدر ؟
-إني أرى مكانهم أعلم منزلتهم ومكانتهم ولكني أكره أن أدنسهم بالدنيا"."
هكذا رأى أبو بكر أن الوالي والأمير على خطر أن تدنسه الدنيا وتلوثه،ولو كان من أهل بدر،لذلك فضل أن يكونوا جنودا على أن يكونوا أمراء،وكأنه خاف أن تضيّع مغريات الإمارة ما حققوه من السبق والفضيلة بشهودهم غزوة بدر.
كان أبو بكر يولي من يراه مناسبا،ويستشير في ذلك من حوله من أصحاب الرأي والفقه،ولا يكره أحدا على الإمارة. وكثيرا ما كان يتحول أمير الحرب الذي يرسله أبو بكر لمحاربة المرتدين إلى أمير سلم يتولى أمر البلد الذي فتحه،كما حدث مع العلاء بن الحضرمي في البحرين،والمهاجر بن أبي أمية في حضرموت .
ولما لم يكن شيء من فتح فارس والروم قد استقر في عهد أبي بكر،فقد كانت الدولة الإسلامية في أيامه مقصورة على جزيرة العرب،وولاياتها هي: مكة والمدينة والطائف وصنعاء وحضرموت وخولان وزبيد ورمع والجند ونجران وجرش والبحرين.
وفي بداية ولايته أقر أبو بكر عمال رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ على هذه الأنحاء،وكان التغيير الذي جرى على الولاة في عهده قليلا لانشغاله بمحاربة المرتدين،وابتداء المواجهة مع الفرس والروم.
كان يكره أن يخطئ اليوم فيحاسَب على ذلك غدا،وكان يكره أكثر أن يخطئ ولاته فيحاسب هو على خطئهم بين يدي الله تعالى،لذا حرص عمر كل الحرص على إحسان اختيار الولاة،وكان يستشير في ذلك من حوله من أولي الرأي والفقه،ولم يعرف في أحد من أصحاب الدين موهبة إلا وجهه إلى العمل الذي يناسبه .. وكان أمير المؤمنين الفاروق لا يولي صاحب الدين إلا إذا كان قويا قادرا على