الصفحة 359 من 604

البيعة تعني الآلتزام والطاعة،وتعني النظام والآنضباط،وهذا أمر لابد منه ليسود الآمن والاستقرار في البلاد،ولذلك كان علي ـ رضي الله عنه ـ يوجب البيعة على كل مسلم ويقول: من مات وليس له إمام مات ميتة جاهلية إذا كان الإمام عدلًا برًّا تقيًّا.

كان عليّ ـ رضي الله عنه ـ يَكره للأمير أن يبيع أو يشتري،فإن كان لابد من ذلك فليشْتَرِ من أنسأن لا يَعرف إنه أمير،فعن ابن مطر قال: أتى عليّ دار فرات ـ وهو سوق الكرابيس ـ فقال: يا شيخ أحسن بيعي في قميص بثلاثة دراهم،فلما عرفه لم يشترِ منه شيئًا،فأتى غلامًا حدثًا فاشترى منه قميصًا بثلاثة دراهم ولبسه ما بين الرسغين إلى الكعبين،قال: فجاء أبو الغلام،صاحب الثوب،فقيل له: يا فلان باع ابن ك أميرَ المؤمنين قميصًا بثلاثة دراهم،قال: أفلا أخذت درهمين،فأخذ أبوه درهمًا وجاء إلى أمير المؤمنين،فقال: أمسك هذا الدرهم يا أمير المؤمنين: قال: ما شأن هذا الدرهم؟ قال: كان قميصًا بدرهمين،قال: باعني برضايَ وأخذتُه برضاه.

للأمير أن يبدّل الآنظمة التي وضعها أمير قبله تحقيقًا لمصلحة للمسلمين تحرآها،ولكنه ليس له أن يجعل لهذه الآنظمة الجديدة أثرًا رجعيًّا،فقد كان أبو بكر يسوي بين الناس في العطاء وأعطى العبيد،ولما ولي عمر فاضل بين الناس في العطاء،ولما ولي علي سوى بين الناس في العطاء وحرم العبيد،دون أن ينقض ما فعله من قبله.

المقرر في الشريعة أن البُغاة مسلمون،لا يَخرجون عن الإسلام بخروجهم؛ لأن خروجهم تَأولٌ،وليس استباحة لأحكام الشريعة،فقد أتى رجل عليًّا ـ رضي الله عنه ـ فقال: ياأمير المؤمنين: أَكَفَرَ أهلُ الجمل وصِفِّين وأهل النهروإن؟ قال: لا،هم إخوإننا بَغَوْا علينا،فقاتَلْناهم حتى يفيئوا إلى أمر الله.

وسئل علي ـ رضي الله عنه ـ عن الخوارج أَكُفَّارٌ هُمْ ؟ فقال: من الكفر فروا،قيل: فمنافقون؟ قال: أن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلًا؟ قيل: فما هم؟ قال: قوم أصابتْهم فتنة فعَمُوا وصَمُّوا،وبَغَوْا علينا وقاتلونا فقاتلْناهم.

يجب على الإمام أن يقاتل البغاة؛ حفاظًا على وحدة الكلمة وتماسك الصف،ولئلا يطمع طامع في سلوك سبيل العنف لخلع الإمام الشرعي القائم بأمر الله،فإن ترك قتالَهم أَثِمَ،فقد نادى حوشب الخيري علي بن أبي طالب يوم صفين فقال:"انصرف عنا يابن أبي طالب،فإنا ننشدك الله في دمائنا ودمك،نخلي بينك وبين عراقك،وتخلى بيننا وبين شآمنا،ونحقن دماء المسلمين،فقال علي: هيهات يابن ظليم والله لو علمت أن المداهنة تسعني في دين الله لفعلت ولكان أهون علي من المؤونة،ولكن الله لم يرض من أهل القرآن بالإدهأن والسكوت،والله يعصى"ولكن لا يحل قتالهم إلا بشرطين:

أ ـ حملهم السلاح وإراقتهم الدماء فعلًا: فلا يجوز قتالهم بطعنهم على الإمام الشرعي،ولا بتكفيره،ولكنهم إذا حملوا السلاح على الإمام الشرعي وأرقوا الدماء حل قتالهم،فقد روى عبد الرزاق في مصنفه عن ابن جريج قال: أخبرني عبد الكريم: خرجت الحروراء ـ الخوارج ـ فنازعوا عليًّا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت