سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عليا قائلا: يا علي،من أشقى الأولين والآخرين ؟ قال: الله ورسوله أعلم،فقال - صلى الله عليه وسلم - أشقى الأولين عاقر الناقة من ثمود،وأشقى الآخرين الذى يطعنك يا علي،وأشار حيث يطعن".. منذ ذلك اليوم وعلي رضي الله عنه ينتظر تحقق البشرى .. بشرى الشهادة."
فكم تمنى الشهادة في سبيل الله،وكم تمنى لقاء الأحبة في الفردوس الأعلى ... وزادت رغبته في تحقق البشرى آخر أيامه،حيث كثرت الفتن،واختلطت الأمور فكان يقول:"ما يحبس أشقاكم أن يجيء فيقتلنى؟". وفى ذلك الوقت اختار الخوارج الذين حاربهم علي في النهروإن ثلاثة منهم،هم: عبد الرحمن بن ملجم المرادي لقتل علي،والبرك بن عبد الله التميمي لقتل معاوية بن أبي سفيان،أما عمرو بن العاص فانتدبوا لقتله عمرو بن بكر التميمي. وذهب كل إلى هدفه،وذهب ابن ملجم إلى الكوفة،وزار جماعة من الخوارج هناك،فرأى عندهم امرأة جميلة فائقة الجمال،يقال لها قطام،فشغف بها،ونسي ما جاء له،وتقدم لخطبتها،فاشترطت عليه مهرا لزواجها ثلاثة آلاف درهم،وعبدا وأمة مغنية،وقتل علي قبل ذلك كله،وما أغلاه مهرا دفع لتلك المرأة..!
وفى صبيحة إحدى الجُمَع من سنة أربعين للهجرة،كان الوقت قد حأن لتهدأ الروح بلقاء بارئها فتتحقق لها البشرى على يد أشقى الآخرين.. فبينما علي خارج إلى المسجد لصلاة الصبح،إذ بادره هذا الشقي بضربة بالسيف على رأسه.. وقُبض على الشقى،فأمر أمير المؤمنين بقتله أن هو مات،وإن عاش فسوف ينظر في أمره..
ولكن ماذا قتل ابن ملجم من علي غير جسد رغب صاحبه عن الدنيا،وأسهره وأتعبه في قيام الليل والعمل لله تعالى؟!
هاهي ذي دارُ عليّ تَمُوجُ بالناس فَزِعِينَ من الخبر،مشفقين على أميرهم وخليفتهم،فقد شاهدوا عدله وفضله،ولمسوا زهده وورعه،فكان لا يحكّم إلا كتاب الله وسنة رسوله،لا يستهين بأمر ظالم،ولا يضيع حق مظلوم،وكانت الدنيا ملقاة وراء ظهره لم تسكن قلبه أبدا. وها هم أولاء أولاده يلتفون حوله وعيونهم دامعة وقلوبهم محترقة،وكلهم آذأن صاغية لوصية أبيهم،أعلم الناس وأفقههم،وحبيب الله ورسوله.. أوصى علي أولاده قائلا مخاطبا الحسن والحسين:"أوصيكما بتقوى الله،وألا تبغيا الدنيا وإن بغتكما،ولا تبكيا على شيء زوى عنكما،وقولا الحق،وارحما آليت يم،وأغيثا الملهوف،وكونا للظالم خصما وللمظلوم ناصرا،واعملا بما في الكتاب،ولا تأخذكما في الله لومة لائم".
لله أنت يا على: لقد لازمته رحمته وتقواه،حتى فاضت فكان لقاتله نصيب منها،فها هو ذا يوصي ابن ه الحسن قائلا:"انظر يا حسن أن أنا مت من ضربته هذه،فاضربه ضربة بضربة،ولا تمثل بالرجل ..."!
ألا يستحق رجل يحمل في قلبه كل هذه الرحمة أن يكون حبيب الله ورسوله؟ لقد امتلأ قلبه بنور الهدى وفاضت نفسه بسماحة الإسلام،فعمت من حوله حتى قاتِلَه: