هو رجل"لا يطمع القوي في باطله،ولا ييأس الضعيف من عدله".. كان هذا هو حال كل من يقف أمام علي - رضي الله عنه - ليحكم له في أمر ما،فكان قاضيا عدلا ذا حكمة وبصيرة،يرتوي بهما من نبع القرآن والسنة الفياض،حتى شهد له سيد الخلق أجمعين - صلى الله عليه وسلم - قائلا:"أَقْضَى أُمتي عَلِيّ"،وبعثه الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن قاضيا حديث السن،فتعجب علي من ذلك،فقال له - صلى الله عليه وسلم -:"إن الله سيهدي قلبك،ويثبت لسان ك،فإذا جلس بين يديك الخصمأن فلا تقضين حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول". ويؤكد علي - رضي الله عنه - إنه منذ ذلك اليوم لم يشكّ في قضاء قط. وقد شهد له النبي - صلى الله عليه وسلم - عندما كان باليمن فوجد أربعة وقعوا في حفرة اصطادوا فيها أسدا فجرحهم فماتوا جميعا،وتنازع أولياؤهم واختلفوا،فقال لهم على:"أنا أقضي بينكم". وكانوا قد سقط منهم رجل فتعلق بالآخر ثم الآخر حتى سقط الأربعة،فقضى بينهم - رضي الله عنه - بأن يجمعوا من القبائل التى حفرت البئر ربع الدية وثلثها ونصفها ودية كاملة،فلمن سقط أولا الربع،لإنه أهلك من فوقه،والذى يليه الثلث لإنه كذلك،والذى يليه النصف لإنه مثلهما،وللرابع الدية كاملة لإنه لم يهلك أحدا.. فأبوا ذلك الحكم،وأتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأجاز حكم علي - رضي الله عنه - وأعجب النبي - صلى الله عليه وسلم - بقضائه،وقال:"الحمد لله الذى جعل فينا الحكمة أهل البيت".
وكما شهد له الرسول - صلى الله عليه وسلم - شهد له الصحابة أيضا،فها هو ذا عمر بن الخطاب يقول مادحا له وشاهدا بحكمته وقضائه:"أقضانا علي بن أبى طالب"،وكيف لا يكون كذلك وهو ذو علم وحكمة!
نزل القرآن على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شفويا متتابعَ الآيات والسور،وكان لابد من تسجيله بطريقة أكثر توثيقًا،فخصص النبي - صلى الله عليه وسلم - فريقا من أصحابه لكتابة الوحي بمجرد نزوله،وكان الفتى النابغة علي بن أبى طالب واحدا منهم،وأضاف إلى ذلك حفظه لكتاب الله في صدره وذاكرته،فكان له نورا أضاء القلب ونوَّرَ البصيرة.
وفاق الصحابة في علمه بمواطن نزول الآيات وأوقات تلقي النبي - صلى الله عليه وسلم - لها،فما من آية من كتاب الله إلا وهو يعلم أين نزلت: أبسهل أم بجبل،ومتى نزلت: أبليل أم بنهار ؟! وكم سمع أنوار البيان من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنقل علم السنة إلى تلاميذه من صغار الصحابة وكبار التابعين.
وبرز علي وسط الصحابة كأحد النجوم الكبيرة بينهم،فكان أحد المفتين الأربعة الكبار من الصحابة (عمر بن الخطاب،وعائشة بنت أبى بكر،وعبد الله بن مسعود،وعلي بن أبى طالب) . وإنطوى علمه بالقضاء،وفهمه للمسائل العويصة على قدرة هائلة على الفهم والتدقيق،حتى كان عمر بن الخطاب يستعيذ بالله من معضلة ليس لها أبو حسن علي بن أبى طالب رضي الله عنه الذى كان يدري من نفسه هذه الموهبة الربآنية،فيقول للناس:"سلوني.."،مخافة أن يموت قبل أن يأخذ الناس العلم الذي في صدره.