الصفحة 26 من 604

كثيرة،رجع منها جميعا منتصرا،وقد شجعت هذه المعارك التى شهدها عهد أبي بكر على مواصلة المسلمين للمواجهات مع الفرس فيما بعد،حتى زالت دولة بنى ساسان.

وأما الرومان،فقد أعد لهم أبو بكر أربعة جيوش يقودها أبو عبيدة بن الجراح ومعه شرحبيل بن حسنة وعمرو بن العاص ويزيد بن أبي سفيان،وكانت المعارك التى خاضوها امتدادا لبعث أسامة بن زيد وما سبقه من مواجهات مع الروم،وقد تأزم الموقف على هذه الجبهة في خواتيم عهد أبي بكر،إذ فوجئ المسلمون بجحافل جرارة من الروم في مواجهتهم،فأرسلوا إلى أبي بكر يسألونه الرأى والمدد،فأمرهم بالاجتماع،ووجه خالد بن الوليد بنصف قواته في العراق إلى الشام،وبينما المعركة في اليرموك حامية الوطيس في السنة الهجرية الثالثة عشرة يقودها خالد بن الوليد - جاءه البريد يخبر بوفاة الصديق،وتولية عمر من بعده،إلا أن جيوش أبي بكر سحقت الروم،ومهدت للفتح الأكبر الذى جلا على أثره الروم عن الشام في عهد أمير المؤمنين عمر.

حين شعر أبو بكر بدنو الموت وقرب الأجل لم تفلت منه هذه اللحظة دون أن يصدر فيها واحدا من قراراته العظيمة،لا يقل خطورة عن إنفاذ بعث أسامة،وقتال المرتدين ومانعى الزكاة،وإرسال الجيوش لقتال فارس والروم،وجمع القرآن الكريم،وكان هذا القرار هو الوصية بالخلافة من بعده إلى عمر بن الخطاب.

إذ اشتد المرض بأبي بكر فخاف على الأمة الاختلاف،فاختار لها أن يتولى عمر بن الخطاب الخلافة من بعده. وبالرغم من أنه لم يكن أمرا فعله الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلا أنه كان توفيقا من الله - تعالى - لصلاح الإسلام والمسلمين،إذ منع الوقوع في الخلاف والنزاع. وقد استشار أبو بكر كبار الصحابة في أمر هذا الاختيار،مثل عبد الرحمن بن عوف،وعثمان بن عفان،وغيرهما،وظهر من إجاباتهم أن الناس تخاف من شدة عمر،إلا أن أبا بكر كان يعلم أن شدته ما هى إلا قوة في الحق،وذكر ذلك للناس فرضوا به،وكتب وصيته بذلك،ثم أسلم الروح إلى بارئها.

ها هى رحلة الحياة قد أوشكت أن تأتى بالختام،وقد جاوز الخليفة المبارك الثالثة والستين،وهو مشغول ليله ونهاره بأمر آخرته وشؤون أمته،تشغله أحوال جيوشه التى أرسلها تجاهد هنا وهناك،وأمور رعيته وفيهم الفقير والمريض وذو الحاجة..

صعد الصديق المنبر في خلافته يوما،وأراد أن يروى للناس شيئا سمعه من النبى ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ لكنه بكى حين تذكر رسول الله،ثم أخذ يروى الحديث للناس والدموع تملأ عينيه وتبلل كلماته.. لقد كانت الدنيا ثقيلة على قلب أبي بكر ورسول الله فيها،فكيف يطيقها وقد ودّعها النبى ـ - صلى الله عليه وسلم - ؟!

استمر أبو بكر يدبر شئون المسلمين على أحسن ما يكون،وفق ما يهديه الله إليه،ويمليه عليه دينه وإيمانه،حتى اغتسل في يوم بارد فأصابته الحُمّى التى لا يطيقها الأقوياء،فكيف بشيخ كبير قد أوهنت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت