الصفحة 25 من 604

كالخيط الذى يجمع الأمة حوله كما تجتمع حبات العقد،ثم أرسل بهم في أحد عشر لواء وزع الجند عليها،وجعل على كل لواء منها أميرا،ووجه كل واحد منها إلى ناحية،وأمر كل أمير أن يستنفر من يمر به من المسلمين أولي القوة،وجاءت النتيجة العامة في حروب الردة انتصارا ساحقا للإسلام وأهله،وعودةً للجزيرة إلى حِضن الإسلام.

لا يمنع المسلمَ شيءٌ من تقديم النصح إلى أميره،واقتراح الخير عليه،بل إن الأمة لتحكم مع الأمير الذى فوضته لسياسة مصالحها الدينية والدنيوية،وذلك حين تساند أعماله في الخير،وتمنحه النصح،وتقترح عليه أعمال الخير.. وقد أتى عمر بن الخطاب إلى أبي بكر ليقترح عليه جمع القرآن في كتاب واحد؛ بسبب ما أصاب المسلمين من موت الكثيرين من حفظة كتاب الله - تعالى - في معركة اليمامة الشرسة،فتردد أبو بكر في قبول اقتراح عمر؛ إذ كيف يفعل شيئا لم يفعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟! لكن هذا خير يوافق روح الدين،بل إن روح الدين الداعية إلى صيانة العلم وحفظه ونشره بين الناس صحيحا موثقا - لتفرض على الأمة أن تجمع القرآن وتحافظ عليه.

لذا راح عمر يلح على أبي بكر،ويوضح له أهمية جمع القرآن،حفظا له ومنعا من اختلاف الناس فيه،حتى انشرح صدر الخليفة،واستبانت له أهمية هذه المسألة،فكلف زيدَ بن ثابت الأنصارى المملوء بعلم القرآن وحيوية الشباب كلفه بهذه المهمة الجليلة الثقيلة،فقام بها يعاونه عمر بن الخطاب خير قيام،حيث ذهبا إلى الصحابة في البيوت والمساجد والأسواق والمنتديات يأخذون عنهم القرآن الذى يحفظه آلاف منهم،ولا يكتب زيد آية إلا إذا تيقن من أنها كُتبت على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذلك بأن يشهد اثنان من الصحابة على ذلك،مع وجود عدد كبير منهم يحفظها شفاهيا.

لقد أتقن الصدّيق اختيار الرجل المناسب لمهمة جمع القرآن حين كلف بها زيد بن ثابت،ذلك الفتى الأنصارى الشاب الذى حضر العرضة الأخيرة للقرآن قبل وفاة النبى - صلى الله عليه وسلم - كما أنه كان لابد من إشراك الأنصار في الشئون المهمة للدولة ليشعروا بأنهم جزء من قلب الكيان الإسلامى الكبير.

بعد أن فرغ أبو بكر - رضي الله عنه - من حروب الردة،واستقر الأمر له في شبه الجزيرة العربية،ودان العرب جميعهم لحكم الإسلام،بدأت المواجهات مع الفرس والروم تفرض نفسها،فالظروف ملائمة لإسماع صوت الإسلام لهذه الشعوب المستعبَدة تحت حكم كسرى وقيصر،كما كان للفرس دور في تقوية شوكة الردة،وتشجيع العرب القريبين منها على الردة،وكانت جبهة الروم مع المسلمين ساخنة قابلة للانفجار؛ إذ تحرش الروم بالإسلام كثيرا،وحرضوا الأعراب في تخوم الشام على حربه ومعاداته..

لهذا كله أقام أبو بكر الحرب مع الفرس والروم على قدم وساق،فجاءه المثنى بن حارثة الشيبانى عقب انتهاء معارك الردة يهون عليه أمر الفرس،ويذكر له أنهم أقل قوة وبأسا مما يظن الناس،حتى تشجع أبو بكر وأرسل كتائبه المجاهدة يقودها خالد بن الوليد سيف الله المسلول،فغزا في العراق غزوات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت