الصفحة 24 من 604

ومضى مع أسامة يغبّر قدميه في التراب في سبيل الله - تعالى - ويلقى على مسامع القائد الشاب نصائح لم ينسها في زحام الأزمات،بألا يقتلوا طفلا ولا امرأة ولا شيخا ولا راهبا تفرغ في صومعته للعبادة،وألا يحرقوا شجرا ولا يذبحوا بقرة أو شاة إلا لأكل ومنفعة.. مبادئ لم ينسها المسلمون برغم كثرة الأعداء وشراستهم..

وآتت حرب أسامة نتيجة طيبة؛ إذ أمّنت حدود الدولة الإسلامية الفتية من جهة الروم وحلفائهم من القبائل العربية المرتزقة.

مات الرسول - صلى الله عليه وسلم - يوم مات والدين تام كامل،وله السلطان والغلبة على الجزيرة كلها،ولما أراد أهل الردة ومانعو الزكاة انتقاص الإسلام بل هدمه،شعر الصحابة - وعلى رأسهم الخليفة بالمسئولية الكاملة عن حراسة هذا الدين،وكان عنوانهم الذى نطق به أبو بكر هو:"والله لا يُنتقَص الإسلام وأنا حي"!

لم يكن التحدى هينا،ولم تكن المواجهة سهلة،بل كانت خطرا يهدد الإسلام والمسلمين بالمحو،فالقبائل إلا قليلا منها - قد ارتدت،والبلاد والأنحاء في الجزيرة قد انتفضت ضد الإسلام،حتى صار المسلمون في الجزيرة قلةً كما كانوا في مكة قبل الهجرة،إلا أنهم اليوم وهم يواجهون الردة الطاغية ـ زَرْعُ محمدٍ ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ كاملًا،وأبناءُ الدين الحنيف بعد تمام النُّضْجِ،فماذا سيصنعون؟!

راح أبو بكر يُقْسم بالله أن يواجه الردة حتى يقطع دابرها ويقتلع جذورها،وقلوب الصحابة تنشد معه نشيد الثبات في وجه المحن،والخليفة ذو اليقين التام يقود كتائب المجاهدين ليحموا وجه الدين من شوائب الأنفس المريضة والقلوب العليلة..

فى بداية الأمر ظن مانعو الزكاة من عبس وذبيان ومن حالفهم - ظنوا بالمسلمين ضعفا حينما وجدوهم صامتين عن الحرب،وما علموا أن الأسد لا يخشى أبدا الخروج من عرينه،بل يكفيه أن يُسمع صوت زئيره من الداخل لتضطرب القلوب،ويخالطها الخوف والفزع..

عبأ أبو بكر كل قواته من المهاجرين والأنصار ومن ثبت معهم على الدين،وخرج بهم إلى المسجد،وأمرهم ألا يبرحوا مواضعهم في انتظار هجوم مفاجئ من الأعداء الذين ظنوا بالمسلمين الضعف والجبن،ووضع الخليفة على مداخل المدينة حرسا من كبار الصحابة يرقبون الموقف..

وصدق توقع أبي بكر؛ إذ جاءت الأعراب تهز ذيولها لتقتحم مدينة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فما فوجئوا إلا بأبي بكر وحوله أسود المهاجرين والأنصار يردونهم على أعقابهم خاسرين،وتبعهم المسلمون إلى"ذى القَصة"قرب المدينة،حتى فضوا جمعهم،وأجلى أبو بكر عبسا وذبيان وبنى بكر ومن حالفهم وعاونهم على حرب المسلمين،وجعل بلادهم بالأبرق والرَّبَذة غنيمة للمسلمين..

وفى ذى القصة،وبعد أن رجع جيش أسامة ونال قسطا من الراحة،أخذ أبو بكر يعقد الألوية،ويجهز الجيوش ليخضِع بها الأنحاء المتمردة من الجزيرة: اليمامة واليمن والبحرين وعمان وغيرها،فكان الخليفة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت