وفى ضائقة الردة والشدة أصر أبو بكر على إرسال بعث أسامة بن زيد العسكرى إلى الشام - كما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أوصى قبيل وفاته - برغم الموقف الخطير،وبرغم ردة القبائل..
ومن أعمال عهد أبي بكر الجليلة: أنه أول من جمع القرآن،وذلك حين أكلت الحرب الشرسة في اليمامة كثيرا من أهل القرآن وحفاظه.
وبعد موت الردة،امتد صوت الحرب ليلامس أطراف فارس والروم،وبعد الملامسة أصبح الحال حربا شديدة واسعة يجهز لها الصدّيق عشرات الآلاف من أبناء الإسلام للغزو والفتح،فخالد بن الوليد ومعه المثنى بن حارثة يقاتلان الفرس،وأبو عبيدة وشُرَحبيل بن حَسْنة وعمرو بن العاص ويزيد بن أبي سفيان يغزون الروم،وقد مات أبو بكر ورجاله يستعدون لخوضِ معركة اليرموك الشرسة في بلاد الشام.
إن اليقين الذى سكن نفس أبي بكر لا يُخفى رأسه في أى موقف يحتاجه،وها هو اليوم وقد تولى الخلافة،وسلمته الأمة أمانة القيادة،يشعر بحاجته إلى يقين أكثر مما كان يحتاج إليه أيام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيوم كان الرسول حيا كان أبو بكر يجد راحة قلبه ويقين نفسه في القرب منه والنظر إلى وجهه - صلى الله عليه وسلم - أما وقد انتقل الرسول إلى الرفيق الأعلى وأصبحت المسئولية على أكتاف أبي بكر،فإن بحر اليقين ينبغى أن يتدفق كله..
لقد علا صوت الردة،وأصبح خطرها يهدد دار الرسول ومسجده وزوجاته،وجيش أسامة بن زيد واقف خارج المدينة ينتظر الإذن بالسير إلى الشام كما أوصى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لكن إذا أراد أبو بكر حرب المرتدين ومانعى الزكاة فلابد من أن يُبقى جيش أسامة بجانبه،أما إذا كان لابد من خروج جيش أسامة فلا مفر أمامه من مهادنة مانعى الزكاة،فأبى البطل العبقرى أبو بكر إلا أن يختار أصعب الحلول: قتال مانعى الزكاة،وإنفاذ بعث أسامة!!
لقد بلغ اليقين بأبي بكر أن يثق تماما في أن نصر الله - تعالى - يأتى مع طاعة أمره - سبحانه - وأمر رسوله،مهما بدا غير ذلك؛ لذا وقف بكل قوة في وجه كبار الصحابة الذين أشاروا عليه بأن يُبقى جيش أسامة بجانبه،يحارب به المرتدين ومانعى الزكاة،وقال:"والذى نفس أبي بكر بيده،لو ظننت أن السباع تخطفنى لأنفذت بعث أسامة كما أمر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولو لم يبق في القرى غيرى لأنفذته"!
وأراد بعض الصحابة الكبار أن يغير أبو بكر قائدَ هذا الجيش،بأن يضع مكان أسامة رجلا أسن منه،فثار الصديق في وجوههم ثورة البركان؛ وأبى أن يغير شيئا قضاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - !
وخرج الخليفة العظيم في وداع جيشه،فما أرفع العظمة حينما تبلغ قمة التواضع دون تكلف أو تصنع،لقد خرج الخليفة في وداع جيشه ماشيا على قدميه المثقلتين بأكثر من ستين عاما كاملة،فيقسم القائد أسامة وهو فوق فرسه أن ينزل هو ويركب الشيخ الوقور،ولكن أبا بكر أقسم ألا ينزل أسامة وألا يركب هو..