الصفحة 22 من 604

اخترقها صوت السلام يلقيه المهاجرون الثلاثة على إخوانهم الأنصار.. والمسألة عند الفريقين ليست سلطان قبيلة معينة يثبتونه،ولكنها مبادئ دين تُقدم على كل هوى،وترتفع فوق كل رغبة..

فما ارتفع صوت أبي بكر يخطب فيهم إلا وسكتت الأصوات،وصمتت الأفواه،وكلهم آذان تسمع إلى شيخ قريش الجليل تتحدر الكلمات من فمه،تذكّر الأنصار بموقعهم من الدين وفضلهم عند نبى الإسلام،وتذكرهم أيضا بأن النبى قد جعل الخلافة في قريش؛ لأن الناس لن تخضع ولن تستجيب إلا لهم؛ لقرابتهم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولهيبتهم القديمة بين العرب..

وما كان للنفس الطاهرة أن ترشح نفسها للتلوث بالدنيا،فرشح أبو بكر للناس أن يختاروا بين عمر وأبي عبيدة ليشغل أحدهما منصب خلافة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال:"هذا عمر وهذا أبو عبيدة،فأيهما شئتم فبايعوا"،فما انتهى الصديق من كلمته تلك حتى اندفع عمر وأبو عبيدة يعارضان هذه الفكرة بشدة،ويقسمان:"لا والله لا نتولى هذا الأمر عليك،فإنك أفضل المهاجرين،وثانى اثنين إذ هما في الغار،وخليفة رسول الله على الصلاة،والصلاة أفضل دين المسلمين"..

ولم يترك الناس لأبي بكر فرصة يفكر فيها ويختار،فأسرع إليه فارس الأنصار بشير بن سعد فبايعه،ثم تلاه عمر وأبو عبيدة،وتتابع بعدهما الناس على البيعة،حتى أتت القبائل القريبة من المدينة فبايعت. وفى اليوم التالى قام عمر في الناس خطيبا،فزكّى اختيار أبي بكر،وذكر فضله،فبايع الناس البيعة العامة،وحمل أبو بكر اللقب الخالد الذى لم يحمله أحد في التاريخ غيره:"خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -". وكانت له في منصبه أعمال جليلة،عز بها الدين،ورُفعت رايته.

مكث أبو بكر في الخلافة سنتين وبضعة أشهر،سجل فيها للإسلام أعظم الأعمال،واتخذ أعظم المواقف،مما حفظ الله - تعالى - به دينه،وصان به الإسلام من كل انتقاص.. وقد كان الخلفاء الراشدون جميعا وأولهم أبو بكر امتدادا لرسول الله في الخير،وسنتُهم وطريقتهم من سنته - صلى الله عليه وسلم - وطريقته،والدين هو الأمانة الكبرى التى تركها لهم،ومهمتهم الأولى هى حراسته وحماية حدوده وحفظ هيبته ...

لكن الدين أصبح في خطر كاسح حين انتشر خبر وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الجزيرة العربية؛ إذ ارتد كثير من العرب،وادعى بعض الطامعين منهم النبوة،وأبت قبائل عديدة أن تؤدى الزكاة فَرْضَ الله في المال،واقتربت العرب أن تأكل من بقى على دينه من المسلمين،وأتى مانعو الزكاة يعرضون البقاء على الإسلام دون أن يدفعوا زكاة أموالهم.. ورأى بعض الصحابة أن الموقف عصيب،وأن مهادنة هؤلاء هى الحل،لكن أبا بكر أبى،وغضب غضبا شديدا،وقال: لا يُنتقَص الإسلام وأنا حي.. ومضى يقاتل مانعى الزكاة والمرتدين،فحاربهم بنفسه حينا،وسيّر إليهم الجيوش حينا،حتى زالت الردة من جزيرة العرب،وانقضى أمرها،وعادت للإسلام هيبته في الجزيرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت