الصفحة 21 من 604

وفى خلافة أبي بكر كان عمر هو وزيرَه الأول،يقف بجانبه،ويؤيد خطاه،ويقدم له النصيحة إذا وجد لها موضعا،فخلط عمر شدته بلين أبي بكر،وكان من ذلك خير كثير انتفع به الإسلام والمسلمون..

وعرف أبو بكر قدر عمر،وأهمية وجوده إلى جانبه،لذلك استأذن الصدّيق أسامة بن زيد حينما وجهه إلى الحرب في الشام ليترك له عمر إلى جانبه،فكان نعم السندُ في المهمات الصعبة التى قام بها أبو بكر في خلافته.

ولم تكن الصحبة القوية بين الشيخين تنفى أنهما قد يختلفان في الرأى أحيانا،لكن حبال المودة بقيت موصولة دائما،بل كان كل منهما يسرع فيعترف لأخيه بالفضل إذا أخطأ هو،فعمر رأى مهادنة مانعى الزكاة حتى تقوى شوكة المسلمين بينما رأى أبو بكر قتالهم ليبقى الدين محترما مهابا،وتوجس أبو بكر من فكرة عمر بجمع القرآن بعد حرب اليمامة حتى انشرح صدر أبي بكر برأى صاحبه،وكان عمر يرى عزل خالد بن الوليد عن قيادة الجيوش المجاهدة لاستعجاله في قتل خصومه في الردة،بينما كان أبو بكر يرى أن خالدا سيفٌ سلّه الله على الكافرين فلا ينبغى أن تُخمَد ناره،وقال عمر بعد ذلك:"كان أبو بكر أعلم منى بالرجال"حين رأى خالدا يهز قواعد الشرك في الشام! وردها أبو بكر له حين قال:"كان عمر أعلم منى بالرجال"حين نصح الفاروق خليفةَ رسول الله ألا يعطى قيادة الجيش لخالد بن سعيد بن العاص،لكن أبا بكر ولاه،فكان عمر أصوب رأيا فيه.

وعندما حضرت أبا بكر الوفاة لم يجد بين الناس لإمارة المؤمنين خيرا من عمر،فأوصى إليه بها،فكان من أعظم الناس فراسة وأعرفهم بمعادن الرجال.

وجوه كثيرة مملوءة بالخير،رباها الإسلام،واحتضنها قلب محمد - صلى الله عليه وسلم - امتلأوا بالمواهب والقدرات الفذة،فيهم عمر بن الخطاب البطل القوي،وعلى بن أبي طالب الفارس الشجاع،وخالد بن الوليد القائد الهمام.. وغيرهم وغيرهم،كواكب أضاءت سماء البشرية،ولكنك لا تدرى من مِن كل هؤلاء يستحق أن يقود الأمة بعد رسولها - صلى الله عليه وسلم - بل قل من يستطيع أن يؤدى هذه المهمة الصعبة،فقد ارتد كثير من العرب،وصار أمر الإسلام في خطر،وأصبح الدين الحنيف في حاجة إلى رجل من طراز خاص،يردع المرتدين ويحفظ هيبة الحق وسلطانه؟

لقد أسرع الأنصار إلى سقيفة بنى ساعدة يعقدون مؤتمرا خطيرا هناك ليختاروا خليفة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - منهم؛ فالبلد بلدهم،والنصرة نصرتهم،كما أن النبى لم يوص لأحد من بعده،فما سمع عمر وأبو عبيدة بالخبر إلا وأسرعا إلى أبي بكر وهو بحضرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاعتذر إليهما بانشغاله بالجسد الطاهر الشريف،فألحّا عليه،حتى خرج معهما..

وسار الرجال الثلاثة في طرق المدينة وسككها جنوبا إلى سقيفة بنى ساعدة ومنتداهم،يسرعون الخطا،ويتسابقون إلى موضع تجمع الأنصار،الذين كادوا يجتمعون على بيعة سعد بن عبادة،فما فاجأتهم إلا وجوه أبي بكر وعمر وأبي عبيدة قد كساها الحزن،وغطاها التعب،فمرت لحظات صمت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت