الصفحة 20 من 604

حيث انتهى أبو بكر،فكان الصديق يأتم بخاتم الرسل،والناس يأتمون بالصدّيق.. وودع النبى الدنيا في هذا اليوم،فما رأى الناس المدينة مُظلمة مثلما رأوها في هذا اليوم،كما لم يروها مضيئة مثلما رأوها يوم قدم إليها مهاجرا.

ما ودّعه بشيء أعظم من الرضا بقضاء الله،مع أنه أغلى عنده من نفسه وماله وولده والناس أجمعين.. كان أبو بكر بالسُّنح وهو مكان خارج المدينة حين صعدت روح الحبيب - صلى الله عليه وسلم - إلى الرفيق الأعلى،فأتى حتى اقترب من بيت ابنته عائشة وفيه جسد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا يشعر أبو بكر بقدميه اللتين تحملانه،غير أنه أظهر الثبات والجلد حين رأى المسلمين قد اهتزوا،وفقد كثير منهم رشدهم،حتى قام عمر بن الخطاب يهدد بالقتل من يقول إن رسول الله قد مات.. ودخل أبو بكر بيت ابنته دون أن يكلّم أحدا،فوجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مغطَّى،فرفع الغطاء عن وجهه،ونظر في هذا الوجه الحبيب الذى كسته الطمأنينة وجمّله أثر القيام والصيام،ثم طبع قُبلة غالية عليه،وشمت أنفه رائحة الجسد الطاهر،فقال:"بأبي أنت وأمي،طبت حيا وميتا،أما الموتة التى كتبها الله عليك فقد ذقتها".

وهنا كاد القلب يتفطر،وكادت نفس أبي بكر تخرج من موضعها،فصديقه الحبيب قد غادر وسافر،تاركا إياه في سجن الدنيا القاسي،لكنه تماسك وثبته الله - تعالى - ليعيد المسلمين إلى رشدهم،حيث وقف فيهم خطيبا،ووضّح لهم نقطة في منهج دينهم كأنهم نسُوها،وهم الذين يعرفون هذا المنهج جيدا ويحفظون كتابه،وضح لهم أبو بكر أن محمدهم الغالى ليس هو الخالد،بل الخالد هو الدين الذى جاء به،والمنهج الذى علمه للدنيا،وأن إجلال الرسول لا يعنى الانتكاس بعده،وإنما يعنى حفظ أمانته وصيانة دينه،كما حفظ هو وصان ...

حين أسلم أبو بكر كان عمر ينتسب إلى الجاهلية،ويعيش في ظل عقائدها المحرفة وعاداتها المنحرفة،لكن الفاروق ما لبث أن أدرك القافلة المؤمنة،وركب السفينة مع أهل الإسلام،متسلحا بحماس دافق وعاطفة قوية.. ومن يومها التصق اسم عمر وجسمه وحياته برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصاحبه أبي بكر،وصار الفاروق والصدّيق أقرب الناس من الرسول العظيم - صلى الله عليه وسلم - وقت السلم ووقت الحرب،فكان يستشيرهما قبل أن يستشير الناس،ويعدّهما وزيريه،ويقدمهما في الفضل على غيرهما،وما تزوج ابنةَ أحد من أصحابه إلا عائشة بنت أبي بكر وحفصة بنت عمر،ليقرب صاحبيه منه أكثر..

لقد أصبح عمر يُذكَر بذكر أبي بكر،وأبو بكر يذكر إذا ذُكر عمر،فهما"الشيخان"،وهما"العُمَران"،وهما أول العشرة المبشرين بالجنة،وأول خليفتين لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومع هذا فلكل منهما طبعه،فليس أحدهما كالآخر،بل أبو بكر ليّن رفيق،إذا آمن بفكرة لم يزعزعه عنها شيء،وعمر شديد مملوء بالحماس يخشاه شيطان الإنس وشيطان الجن.

ولقد تسابق الشيخان في الخير،فكان أبو بكر أسبق،وإن تقارب الكتفان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت