الصفحة 19 من 604

العرب"،وينادى فيهم:"أنه لا يدخل الجنة كافر،ولا يحج بعد العام مشرك،ولا يطوف بالبيت عُريان..""

وراح القائد أبو بكر يساعد عليا في مهمته،فينادى في الناس بمثل ندائه،ونادى معهما صحابة آخرون كأبي هريرة،وكلَّ مرة يرتفع فيها الصوت يموت من الوثنية شيء،حتى قضى أبو بكر بالناس مناسكهم،وأصبح الحج في منظره التوحيدى خصيما لكل ما له بالوثنية تعلق!

بدأت المهمة النبوية تكتمل،فاكتمل الدين،وتم البلاغ،وعز الإسلام،وملأ جزيرة العرب بنوره،وقد آن للفارس العظيم أن يستريح،ويخلّف دار المتاعب وراء ظهره.. وها هو المرض يزور الجسد الشريف الذى أتعبته الحياة،وضاقت على قلبه أنحاؤها،حتى أتى بلالٌ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُعْلمه بدخول وقت الصلاة التى يحبها ويستريح قلبه بندائها،فلم يستطع أن يخرج ليصلى بالناس،وقال:"مروا أبا بكر فليصلّ بالناس"،وتسمع عائشة ذلك،فتخاف على أبيها ألا يُسمِع الناس؛ إذ إن الحزن سريع الأخذ بقلبه،فتحاول أن تثنى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن رأيه،وتقترح عليه أن يصلى عمر بالناس،فيكرر:"مروا أبا بكر يصلى بالناس"،وتتوسط حفصة بنت عمر عند رسول الله ليصلى أحد غير أبي بكر بالناس،فغضب النبى - صلى الله عليه وسلم - وقال:"مروا أبا بكر فليصلّ بالناس"!

ويصلى أبو بكر بالناس،يركع بهم ويسجد،وقلبه متكئ على الخشوع،منصت إلى صوت الذكر،وروحه ترتع في أودية الرحمة،والدمع يغلب عينيه.. ومرة يسمع النبى - صلى الله عليه وسلم - صوت رجل يصلى بالناس غير أبي بكر،فيغضب غضبا شديدا،وهو الذى لم يدع المرض جسده الشريف،ويقول:"يأبى الله ذلك والمسلمون".

فى ربيع الأول من العام الهجرى الحادى عشر،أصبح النبى - صلى الله عليه وسلم - وكأنه يودّع أمته؛ إذ اشتد به المرض،وزادت عليه الحُمّى،وخرج أثناء ذلك إلى الناس حين شعر ببعض القوة،وكأنه يصافح تلك الوجوه التى شاركته رحلة الجهاد في سبيل الله تعالى ويترك لهم وصاياه،وكان مما قاله لهم:"إن عبدا من عباد الله خيّره الله بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عند الله"،فأعجبت الناس الموعظةُ،وأحبوا أن يكونوا مثل هذا العبد الصالح،غير أنهم لا يدرون من هو،إلا أبا بكر الذى علا صوته بالبكاء،إذ أدرك أن النبى يقصد نفسه وأنه يودع أمته،وقال الصدّيق والدموع تملأ عينيه:"فديناك بآبائنا وأمهاتنا يا رسول الله!"..

ويضع النبى بلسما على قلب صاحبه الذى سبق الناس إلى الإيمان،وسبقهم إلى التضحية،وعاش مع النبى لحظات ومواقف لم يعشها غيره،فيقول له النبى - صلى الله عليه وسلم -:"إن أمنّ الناس على _ أى أكثرهم فضلا في صحبته وماله أبو بكر"،ويأمر بأن تغلق كل أبواب البيوت المؤدية إلى المسجد إلا باب أبي بكر..

وفى يوم الوداع خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المسجد وأراد أن يصلى خلف أبي بكر وهو إمام على الناس،لكن الناس نبهوا أبا بكر فتأخر،وجلس النبى - صلى الله عليه وسلم - على يسار أبي بكر ليكمل القراءة من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت