الصفحة 18 من 604

وممن خاضوا في هذا الكذب،وتكلموا عن عائشة بالباطل رجل مسلم من أقارب أبي بكر يسمَّى مِسطح بن أُثاثة،كان أبو بكر يصله بالمال،ويعينه على حاجته ومطالبه،فلما قال ما قال أقسم أبو بكر ألا ينفق عليه شيئا،فنزل القرآن يذكر أبا بكر والمسلمين بخلق الصفح والمغفرة: ..ألا تحبون أن يغفر الله لكم.. [النور: ] ،فقال أبو بكر: والله إنى لأحب أن يغفر الله لي،ورجع إلى الإنفاق على مسطح.

ها هي شجرة الإسلام تكبر في المدينة،وتزداد فروعها كل يوم شموخا في السماء وجذورها ثباتا في أعماق الأرض،حتى صار المسلمون يجهزون الجيوش لقتال الروم،بعد أن كانوا محبوسين في مكة ومضيّقا عليهم،وبعد أن كانت الأحزاب تحاصرهم في مدينتهم وتحرمهم من النوم الهادئ في بيوتهم..

لقد مرت على الإسلام في المدينة ثمانى سنوات وبضعة أشهر،ودولته في حاجة إلى ردع الجار الرومانى القوى حتى لا يجرؤ على المساس بالمسلمين كما فعل من قبل،لكن تجهيز جيش للقتال أمر عسير إذا كان الحر شديدا،بينما الأشجار باسطة ظلها،قد أمالت على الناس ثمارها وقربتها.. وكان هذا هو حال المدينة في شوال من العام الهجرى التاسع،حيث يعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جيش العُسرة،داعيا أصحابه إلى الإنفاق في سبيل الله - تعالى - فما تأخرت نفس مؤمن،حتى تبرع أحدهم بتمرٍ ثمنُه دراهم،وخرج أبو بكر يقدّم على قَدْره،يحمل مالًا بين يديه،ثم يعطيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإذا به كلُّ ماله،فيسأله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:ماذا تركت لأهلك؟ فيقول الصدّيق: تركت لهم الله ورسوله..!

منذ زمن طويل وهواء التوحيد حول الكعبة تخنقه مناظر الأصنام التى وضعها المشركون في ساحة البيت الحرام،وأهل مكة إنما يقوم سلطانهم ومقامهم بين الناس على خدمة هذا البيت ورعاية الحجيج،لكن أهل البلد الحرام أشرك كثير منهم بالله وحاربوا رسوله،فأخذ الله منهم مكة عام الفتح وأعطاها لخاتم أنبيائه ولأمته من بعده إلى يوم القيامة،فزال سلطان الكفر السياسى عن مكة،وحُطّمت الأصنام تحطيما.. لكن لم يزل البيت مَشاعا والحج مَشاعا،فيحج من يشاء كيف يشاء،والنبى في حاجة إلى أن يقر هذه الفريضة الجليلة،ويعلّم الناس مناسكهم بعيدا عن عادات الشرك والمشركين،فاختار وزيره الأكبر أبا بكر ليؤدى مهمة إنهاء كل مظهر جاهلى وضعه المشركون في أعمال الحج،ليحج بهم - صلى الله عليه وسلم - حجة الوداع على طهارة ونقاء..

وراح أبو بكر يلبس للحج ثيابه،"وخرج من المدينة يسوق الهَدْى أمامه،مولّيا وجهه شطر المسجد الحرام"،وخرج بعده على بن أبي طالب يركب العضباء ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويحمل إلى الحجيج من النبى الخاتم رسالة تثبّت التوحيد وتزيل كل وثنية،فلما أدرك على أبا بكر في الطريق سأله الصديق بأدب: أمير أم مأمور؟ فقال له ابن عم رسول الله: بل مأمور! فمضوا لا تنافس بينهم على دنيا،بل سباق في طاعة الله ورسوله..

وصافحت عيون المسلمين يقودهم أبو بكر بيت الله الحرام وبلده الأمين،وراح على يبلّغ رسالة النبى إلى الناس وهم في منى،فيقرأ عليهم صدر سورة التوبة التى"أجهزت على الوثنية في بلاد"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت