الصفحة 17 من 604

لقد مكثت أم المؤمنين عائشة زوجةً في ظلال النبوة الطاهرة ثمانى سنوات ونصف السنة أقرب ما تكون من أنفاس رسول الله وأعماله،ترتشف من حنوّه ورحمته،وتسمع منه الحكمة والكتاب،وينزل الوحى على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو في لحافها دون بقية زوجاته،وعاش لحظاته الأخيرة من الحياة في بيتها،بل مات ورأسه الشريف في حجرها،وكان ريقها الذى بللت به عود السواك آخر ما دخل فمه الطاهر - صلى الله عليه وسلم - .

لقد أتت امرأة إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - بعد موت خديجة تذكّره بالزواج،فالنبوة مهمة شاقة تحتاج عونا من زوجة وفية،ووصفت المرأة له عائشة،قالت له: بنت أحب خلق الله إليك.. ويكفيها هذا رتبةً ليرغب النبى فيها. ولما بلغ أبا بكر الخبر السار،وأن رسول الله يريد خطبة ابنته اختلطت في نفسه مشاعر السرور بأحاسيس الدهشة؛ إذ كيف تصلح له وهى ابنة أخيه؟! فجاءه الجواب النبوى الساطع: أنت أخى في الإسلام،وابنتك تحل لي.. فتزوجها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل الهجرة بسنة،لم يتزوج بكرا غيرها،وبنى بها في المدينة في شوال من سنة اثنتين بعد منصرفه من غزوة بدر.

كان لسان النفاق جريئا على إيذاء المؤمنين والنيل منهم،وقد رجع النبى - صلى الله عليه وسلم - من غزوة بنى المصطلق وتأخرت عائشة عن اللحاق به؛ إذ فقدت عِقدا لها،فرجعت في حراسة رجل صالح شهد بدرا هو صفوان بن المعطل الذى أوصلها إلى المدينة في أمان دون أن يبيح لعينه النظر إليها إلا نظرة المعرفة الأولى..

إلى هنا والقصة قصة شهامة رجل مؤمن،لكن المنافقين أبوا إلا أن يجعلوها جريمة فاحشة وزنا،ووقع بعض المسلمين في حبائل المنافقين فخاضوا في التهمة الكاذبة،فآذوا نفس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذى يعرف طُهر أهله وبراءتها،لكنه لا يملك أن يبرئها بلا دليل واضح،فهو الحاكم والقاضي.. وجاء الخبر إلى أبي بكر وزوجه أم رومان وعرفته عائشة،فكان كالخناجر المسمومة حين تغرَس في القلوب،حتى مرضت عائشة من التهمة الظالمة،ولازمت البكاء حتى آلم عينيها،وهى ابنة الرابعة عشرة،لا تجد ما تدفع به الكذب عن نفسها..

وأتاها النبى في بيت أبويها يسألها عما يشيعه المنافقون ومن انخدع بهم،حتى يظل القانون مطبقا على كل أحد،ونظرت عائشة إلى أبويها في حنان ليجيبا ويدافعا عنها،فهما اللذان ربياها على الطهر وأدّباها على العفة والنقاء،ولن تخيب رجاءهما يوما. فصمت أبو بكر حياء ولم يتكلم،وقلبه يتوجع مما افتراه المنافقون،وصمتت أم رومان فلم تتكلم.. ونطقت عائشة: فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون.. لقد فقدت كل نصير من البشر،ولم يبق لها سوى مولاها فهل يخيبها؟ سرعان ما بدأ الوحى ينزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وزوجته يترقبان لا يخفيان الخوف في نفوسهما،وعائشة واثقة مطمئنة إلى عدل الله - تعالى،ثم مسح الرسول العرق عن وجهه،وقال بنفس راضية: أبشرى يا عائشة،قد أنزل الله - عز وجل - براءتك،فقالت أم المؤمنين الصغيرة: الحمد لله ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت