ويومَ حنين في السنة الثامنة من الهجرة بدأت المعركة مع هوازن باهتزاز شديد في صفوف المسلمين الذين أعجبتهم كثرتهم،وظنوا أنها سبب كاف لتحقيق النصر،فأخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجمعهم حوله،وكان أبو بكر من أوائل الثابتين معه الذين استعادوا المبادرة ووثقوا في ربهم فأنزل عليهم السكينة،ونصرهم على عدوهم.
(لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ...) .. ألف وأربعمائة من المؤمنين هكذا وصفهم ربهم،وحلاهم برضاه،وزينهم بخلود الذكر في القرآن ... وكان أبو بكر منهم،بل في مقدمتهم،إذ خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأصحابه في موسم الحج من العام الهجرى السادس،واعدا إياهم بدخول المسجد الحرام الذى طال حرمانهم من رؤيته والطواف به.. وراحت نفوس المسلمين في طريق السفر تستعيد ذكرياتها مع هذا البيت المبارك،وتداعب خيالها تلك السكينة العجيبة التى تحيط بأنحائه.
وفجأة يموت الأمل بين أيديهم،وتتلاشى الأحلام أمام أعينهم؛ إذ خرجت قريش كلها مكشِّرة عن أنيابها لتحول دون دخول المسلمين مكة،فأبدى لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه لا يريد حربا بل حَجّا وعبادة لله رب العالمين،فبدأت المفاوضات بين المسلمين وقريش،وأرسل كل فريق رسله إلى الآخر،وكان عثمان بن عفان واحدا من رسل المسلمين إلى قريش،فحبسوه حين حاول الالتقاء بالمسلمين الممنوعين في مكة من الهجرة،وشاع أنه قُتل ... هنا ترك رسول الله الرفق جانبا ومال إلى خيار الحرب،فقام أصحابه وفى مقدمتهم أبو بكر يبايعونه على ذلك تحت الشجرة،فرضى الله عنهم حينما استعدوا للتضحية بنية صادقة وعزيمة ماضية،لكن قريشا أطلقت عثمان،وخافت من عاقبة التعرض له بالأذى،فصمتت الحرب،ورجع صوت التفاوض عاليا،حتى صالح النبى - صلى الله عليه وسلم - قريشا،ومن شروط الصلح الذى شهده موقع الحديبية أن يرجع المسلمون إلى بيوتهم عامهم هذا على أن يأتوا للحج في العام المقبل ...
وقد أصاب هذا الشرط المسلمين بالغم والحزن،غير أنه لم يهز شيئا من ثقة أبي بكر في دينه ونبيه،بل راح الصدّيق يثبت الناس من حوله،ويعيد إليهم الثقة،فقد قال لعمر لما اهتز في هذا اليوم: يا عمر،الزم غرزه أى التزم بأمره فإنى أشهد أنه رسول الله،فقال عمر: وأنا أشهد أنه رسول الله!
سأله أحد أصحابه يوما: يا رسول الله،أى الناس أحب إليك؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -:عائشة.
قال الصحابي: فمِن الرجال؟ قال: أبوها!
هكذا اجتمع الخير لهذه الأسرة الكريمة،فأحبُّ الرجال إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجل منها (أبو بكر) ،وأحب امرأة إليه واحدة من بناتها (عائشة بنت أبي بكر) .. وقلب رسول الله لا يحب إلا من يستحق هذه المحبة،ولا يستحق المحبة عنده إلا مؤمن ملأ اليقين ما بين جنبيه..