الصفحة 15 من 604

ها هم أهل الدين الجديد ينبتون الخير في دار هجرتهم كما تنبت النخلة،إلا أن نخلتهم الآن - وقبل يوم بدر - لم تزل ضعيفة ذليلة،أفيمنع الله العزة عنهم؟

خرج المسلمون مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا في رمضان من السنة الثانية من الهجرة،لا يريدون قتالا،بل الفوزَ بقافلة قريش التجارية العائدة من الشام؛ ليعوضوا بعض ما أخذه المشركون منهم بعد الهجرة،وما هى إلا أيام حتى وجد المسلمون أنفسهم في وجه الحرب،واستشار النبى - صلى الله عليه وسلم - أصحابه يمتحن عزيمتهم ويرى رأيهم،فكان أبو بكر ممن تكلم فوضع نفسه طوع أمر الله ورسوله،وفعل المهاجرون والأنصار مثل ذلك..

وراح الرسول - صلى الله عليه وسلم - يتضرع إلى الله ويدعوه: يسأله النصر،حتى أشفق عليه أبو بكر،وطمأنه إلى أن الله سينجزه ما وعده.. وما هى إلا جولة - كان أبو بكر أحد أبطالها حتى انكشف ميدان المعركة عن سبعين قتيلا ومثلهم أسرى من المشركين..

وفى المدينة استشار النبى - صلى الله عليه وسلم - وزيريه أبا بكر وعمر في أمر الأسرى،فرأى أبو بكر أخذ الفدية منهم ليستفيد منها المسلمون،بينما ذهب عمر إلى قتلهم ليُضعف شوكة المشركين.. وهنا يشبه النبى - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر بإبراهيم وعيسى - عليهما السلام - في رفقهما ولينهما،ويشبه عمر بنوح وموسى - عليهما السلام - في شدتهما في الحق..

ويأخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برأى أبي بكر فيفادى الأسرى،ولم يمضِ طويل وقت حتى أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر إلى عمرَ يبكيان،وما ذاك إلا لأن الله - تعالى - أنزل قرآنا يلوم من رأى العفو عن الأسرى وطلب عرض الدنيا!

فى السنة الثالثة من الهجرة جمعت قريش قوتها،وأعدت عدتها،وزحفت نحو المدينة تريد غزوها،والثأر من محمد وصحبه بعد هزيمتها الشنعاء في بدر،فخرج إليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد أن استشار صحابته،فكان الموعد بين المسلمين والمشركين في شوال عند جبل أحد،حيث وقفت فرقة من رماة المسلمين فوق الجبل،حتى يحموا ظهور إخوانهم المتفرغين لقتال المشركين بالسيف والرمح.

وبدأت المعركة،وكاد نصر بدر يتحقق مرة أخرى،لولا تعجل الرماة،وتركهم مواقعَهم فوق الجبل مخالفة لأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأدرك المشركون انفتاح الطريق أمامهم،وانكشاف ظهور المسلمين،فجاءوهم من خلفهم منتهزين الفرصة،وانقلب سير المعركة،وأصاب المشركون في المسلمين إصابات شديدة،وفر كثير من المسلمين من وجه عدوهم،وثبت بعضهم حول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان أبو بكر من بين هؤلاء الأبطال الثابتين الذين تحاملوا على أنفسهم بعد المعركة،وفيهم كثير من الجرحى،وخوّف بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قريشا حينما همت بالعودة إلى القتال لإتمام القضاء على المسلمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت