يقدرون على هذا. كما أن الزهد بهذه الصورة ليس هو المنهج الوحيد الذي يمكن أن يعيش المسلم به في ظلال الإسلام الحنيف،فيمكن أن يكون الزاهد ذا ثوبٍ حسنٍ ومنزلٍ رحْبٍ متسعٍ،يأكل من الطيبات التي أحلها الله،ولا يحرّمها على نفسه ولا على الناس ـ كل هذا دون أن تكون الدنيا غايتَه،ودون أن يسرف على نفسه،أو يستطيل على عباد الله بنعمة الله.
وقد كان الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري ممن مالوا إلى الزهد بصورته الشديدة،فأخذ نفسَه بالعزائم الشديدة،وحرمها الكثيرَ من متعها،واكتفى من الدنيا بما يبلغه المسير إلى نهايتها.
ولم يكتف أبو ذر باختيار سبيل الزهد الذي اختاره،فأضاف إلى ذلك انتقاداتٍ شديدةً أخذ يوجهها إلى هؤلاء الذين توسعوا في متع الدنيا،فكان يقوم في الناس في الشام ويقول:"يا معشر الأغنياء واسُوا الفقراءَ.. بشِّر الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله بمكاوٍ من نار تُكْوَى بها جباهُهم وجنوبُهم وظهورُهم". وكان ينتقد عُمَّالَ عثمانَ لذلك،وينكر عليهم توسُّعَهم في المراكب والملابس.
وانتشر كلام أبي ذر هذا حتى شكا الأغنياءُ ما يَلْقَوْنَ من الناس بسببه إلى معاوية،وكادت أن تقع الفتنة،لولا أن معاوية تدارك الأمر وكتب إلى أمير المؤمنين عثمان في ذلك، فأمره بأن يُرسل أبا ذر إليه مكرما،ومعه دليل في طريقه،ويزوده بالزاد،ويَرفق به.
فلما بلغ أبو ذر ـ رضي الله عنه ـ المدينةَ،لقي الخليفة،فتحادثا برفق ومودة،واختار أبو ذر ـ بعد أن أحس أن تيار الفتوح قد غير الناس كثيرا ـ أن يعيش وحده في منطقة الرَّبَذة خارج المدينة،فزوَّده أميرُ المؤمنين عثمانُ بما يلزمه.
وعاش هناك منفردا حتى أدركه الأجل المحتوم،فمات وحده كما أخبره الرسول المعصوم ـ - صلى الله عليه وسلم - .
وقد حاول الثائرون على عثمان ـ رضي الله عنه ـ استغلالَ هذا الموقف،زاعمين أن الخليفة نفى أبا ذر بسبب اعتراضه عليه وعلى ولاته،وهو أمر لم يفعلْه الخليفة الصالح على الإطلاق.
إن الأخوَّة والصحبة لا تمنعان من إقامة الحق والحرص عليه،فإذا كان عثمان بن عفان وعمار بن ياسر رفيقَيْن اصطحبا في خدمة الإسلام،فإن الخليفة لن يسمح لنفسه أن تُجامِل عمارا إذا كان الحق في غير صفه..
وها هو ذا عمار بن ياسر يتشاتم هو ورجل من المسلمين في لحظة غضب،فيعاقبهما الخليفة؛ إذ حوى كلامُهما قذفا وخوضا غاضبا في الأعراض أو ما يشبهه.
ومرة أخرى يرسل عمار بن ياسر وسعد بن أبي وقاص إلى أمير المؤمنين ليأتيهما المسجدَ يراجعانه في بعض أعماله،لكن عثمان كان في انشغال عنهما،فانصرف سعد،وألح عمارٌ على مقابلته،ولم يتيسر للخليفة لقاؤه،فبعث إلى عمار مع رسول له يطلب تأجيل اللقاء به،لكن عمّارا لم ينصرف،فتناوله رسول الخليفة وآذاه بغير أمر عثمان..