الصفحة 204 من 604

ولعل نفس عمار أول الأمر كانت غاضبة من الخليفة،لكنه مع مرور الوقت تيقن أن عثمان حسن النية،جاد في حفظ حدود الدين،حتى لقد أشفق عمار على عثمان حين حاصره الثائرون،وقال:"يا سبحان الله!! أتمنعون الماء عمن اشترى بئر رومة،ووهبها المسلمين؟!".

وذهب المعترضون على الخليفة يصنعون من هذا الموقف تهمة كبيرة للخليفة المؤمن عثمان!

"بايعنا خيرَنا ولَمْ نأل"ـ أي لم نقصر ـ هذا هو رأي ابن مسعود في عثمان،فما تولى الخلافة إلا وهو خير الموجودين وأجدرهم بها،كما يرى أكثر الصحابة.. وقد تولى عبد الله بن مسعود خراج الكوفة أيام عثمان حين كان سعد بن أبي وقاص أميرا عليها،فاختلف سعد وابن مسعود على قرض اقترضه سعد من بيت المال،فعزل عثمانُ سعدا وأبقى ابن مسعود.

إلى ذلك الوقت لم يكن بين ابن مسعود وخليفته إلا الصفو وكل خير،فلما عزم عثمان على تعميم مصحف واحد في العالم الإسلامي يُجْمِعُ أصحاب رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ على أنه هو المصحف الكامل الموافق لآخر عَرْضة عُرض فيها كتاب الله ـ عز وجل ـ على النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ قبل وفاته،ودّ ابنُ مسعود أنْ لو كُلِّف هو بذلك،وأحب أن يبقى مصحفه الذي كان يكتبه لنفسه فيما مضى،فجاء عمل أمير المؤمنين على خلاف ما كان يودُّه ابنُ مسعود في الحالين،فاختير زيدُ بن ثابت ليرأس بعضَ الصحابة في نسخ المصحف الذي جُمع أيام أبي بكر،وزيدٌ أولى بهذا الأمر؛ فقد اختاره أبو بكر من قبل لما هو أكبر من هذا العمل،وهو جمعُ القرآن في مصحفٍ واحدٍ.

وقد كان عثمان يعلم ـ كما يعلم سائر الصحابة ـ مكانةَ ابنِ مسعود وعلمَه وصدقَ إيمانه،وكان الخليفة على حق حين ألغى المصاحف الأخرى كلها،ومنها مصحف ابنِ مسعود،فذلك أبقى لوحدة الأمة،وراد للاختلاف في كتاب الله تعالى،وكان جمهور الصحابة في كل ذلك مع عثمان.

ومع أن هذا خلاف وارد بين البشر،بل خلاف مشروع بين العقول،إلا أن مَنْ لا يفهمون ذلك ممن قاموا يعترضون على الخليفة أشاعوا أن عثمان ضرب ابنَ مسعود ومنع عنه عطاءه.

الاجتهاد باب من الأبواب التي يقوى بها تفاعل الدين مع الحياة والناس،إذ إن الزمان مع تغيره والحياة مع تطورها يقذفان الناس بقضايا جديدة وأمور لم تسبق لهم من قبل،فيتعامل عقل العالم مع روح الدين والقرآن والسنة ونصوصهما في محاولة الوصول إلى الحق.

وقد كان الخلفاء الراشدون جميعا يملكون أهلية الفتوى والقدرة على الاجتهاد،وكانت لأبي بكر وعمر اجتهاداتهما الكثيرة.

غير أن الثوار الذين قاموا في وجه الخليفة عثمان سلبوه هذا الحق،واتخذوا بعض فتاواه سلاحا يُشْهِرونه للثورة عليه والتشهير به،بل شككوا في فضله وسابقته في الجهاد والإيمانِ بالله ورسوله.

لقد راحوا يتصيدون للخليفة الراشد ما حسبوه - بسوء تدبيرهم وخيبة فألهم - طعنًا سينال من ورع الخليفة وحسن طاعته لله ولرسوله،أو من قدره في نفوس المؤمنين والصالحين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت