الصفحة 202 من 604

وزعم المعترضون أن الخليفة يمنحهم من مال المسلمين،وصاروا يعترضون على تصرفاته المالية،فإذا زوّج ابنه من ابنة الحارث بن الحكم،وزوّج ابنته من ابن مروان بن الحكم،وجهَّزهما من خالص ماله الذي كان واسعًا ووفيرا في الجاهلية والإسلام - قالوا: إنه جهزهما من بيت مال المسلمين!!

وإذا اقترض رجل بضعةَ آلافٍ من بيت المال ـ وكان من حق المسلمين أن يقترضوا من بيت مالهم ـ قالوا: إن الخليفة منحه إياها بغير حق!

وإذا توسع في المراعى التي كانت الدولة في عهد"عمر"تحميها لإبلِ الصدقةِ ولتنمية الثروة الحيوانية،قالوا: إنه حَمَى الحِمَى لكي يسمِّن إبلَه وماشيتَه..!!

ولقد حدث أن وَلَّى الخليفة الحارثَ بنَ الحكم أمانةَ سوقِ المدينةِ،واستغل الحارث وظيفته،فراح يشترى النوى ويحتكره،ولم يكد الخليفة يعلم بهذا حتى استدعاه إليه وسفَّهه،ثم عزله من فوره،فهذه أيضا نسجوا منها اتهاماتٍ..!!

وكانت الأرض البُور التي لا تجد مَنْ يزرعها ويستثمرها تملأ البلاد،لاسيما في ريف العراق،فراح الخليفة يُقطِع القطائع نفرًا من أثرياء الصحابة الذين يمكِّنُهم ثراؤهم من الإنفاق عليها واستثمارها،فنسجوا من ذلك اتهاما..!!

وكان أمينُ بيتِ المالِ عبد الله بن أرقم قد تقدمت به السنُّ،كما وقع خلاف هادئ بينه وبين الخليفة،فرأى الخليفة أن يولي مكانه زيدَ بنَ ثابتٍ،فأطلق المرجفون المتمردون قولتَهم بأن الخليفة عزل ابن أرقم لأنه عارض إسرافَه،مع أنه ولَّى مكانه زيدَ بنَ ثابتٍ الذي ائتمنه أبو بكر وعمرُ على جمع القرآن...

ومن قبلهما ائتمنه رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ على كتابة الوحي.

كانت الأُخُوَّةُ في الله هي الجامع الأول الذي وحّد هؤلاء الصحابة من أقوام مختلفين وقبائل شتى،فصنعوا نسيجَ المجتمع الإسلامي الأولِ،الذي رافق رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ في رحلة الدعوة إلى الله ـ تعالى ـ والجهاد في سبيله..

ومع عظمة النفوس البشرية لهؤلاء الرجال،وسُمُوِّ أغراضِها وأهدافها،لم يكن منتظَرًا منهم أن يكونوا معصومين من الخطأ عصمةَ نبيِّهم ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ لذا لا نعجب أن تقع بينهم بعض الخلافات الطفيفة،لكنهم كانوا دائما يعتصمون بمعاني الأخوَّة في دين الله ـ تعالى ـ ما لم تتدخل يَدٌ شيطانيةٌ تزوِّر الحقائقَ وتضخِّم الأحداثَ.

لقد أشاع المعترضون أن الخليفة عثمانَ وقف موقفا اتسم بالشدة تجاه بعض الصحابة الأجلاء: فنفى أبا ذر الغفاري،وضرب عبدَ الله بنَ مسعود ومنع عنه عطاءه،وضرب عمارَ بنَ ياسر.

إن الزهد في الحياة،والأخذ منها بما يسد الضروريات أو يكاد ـ منهج في الحياة ترتضيه بعض النفوس،وتجد لديها إمكانية كبيرة للصبر عليه.. وهذا شيء لا عيب فيه،غير أن قليلين هم الذين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت