الصفحة 201 من 604

لن تستطيع أن تحصل على الحقيقة كاملة حول شخصٍ ما إذا كان أعداؤه هم الذين يكتبون تاريخَه،خاصة إذا كانت لهذه الشخصية مشاركات في أحداث متشابكة،اختصم فيها الناس،وتوزعوا فرقا،كالذي جرى في الفتنة...

ولعل هذا ينطبق بصورة واضحة على مروان بن الحكم،ذلك الشاب الأموي الذي نال ثناء العديد من رجال عصره،كما نال ثقة أمير المؤمنين عثمان،فولاه رئاسة الديوان،واتخذه كاتبا لرسائله الخاصة...

وقد كانت تولية عثمان لمروان وأشباهه من بني أمية ـ كعبد الله بن سعد بن أبي السرح الذي ولاه مصر،وعبد الله بن عامر الذي ولاه البصرة،ومعاوية بن أبي سفيان الذي استبقاه أميرا على الشام ـ كان هذا مثارا للاعتراض على الخليفة،مما استغله الثائرون على عثمان،بل ضخّموه.

وليس مروان بعيدا عن أن يوصف بالسوء فحسب،بل كان به - فوق ذلك - العديد من الفضائل والمواهب القيادية،ولم تكن تولية عثمانَ له مجاملة على حساب المسلمين..

لقد كان مروان نائبا بالمدينة،فإذا وقعت معضلة جَمَعَ مَنْ عنده من الصحابة فاستشارهم فيها،وعَمِلَ بما أجمعوا عليه.

ومروان هو الذي جمع الصِّيعانَ (مفردها صاع،وهو كيل معروف) ،فأخذ بأعدلها فنُسب إليه الصاع،فقيل: صاع مروان،وهى ليست بصاع مروان،إنما هى صاع رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - .

إن من لوازم الرئاسة،ومن شروط الشرف والمنزلة بين الناس أن يَرْخُصَ المال عند الإنسان،فيمنَحه بسخاء يدٍ،ويعطيَه بكرم نفسٍ. فإذا زُيِّن ذلك بالتقوى والإيمان صار للكرم وللسخاء معنى عند الله تعالى وعند الناس.

وقد كان الإمام التقي العادل عثمان بن عفان من هؤلاء السادة الكرماء،الذين رخُص المال عندهم،فبذله في سبيل الله،ووصل به أهلَه وإخوانَه..

إلا أن ذلك لم يعجب الطائفة المعترضة على الخليفة،الثائرةَ عليه تستعجل وفاته،فاتهموا عثمانَ بسوء التصرف في مال المسلمين،والإنفاقِ من بيت المال على ذويه وأقاربه.

لقد كان عثمان ليِّنا مع أهله،رفيقا بأقاربه،كما كان ليِّنا مع الناس جميعا،بل إن ذوي رحِمِهِ وأقاربَه أولى برِفْقِهِ ولينه. وما أكثر ما كان عثمان ينفق لتجهيز الجيوش،والإعداد للغزو في وقت لم تكن للإسلام فيه شوكة،فلما قامت للإسلام دولة،وكانت الفتوحات،وجاءت الغنائم والفيء،أصبحت الدولة في أوج قوتها وثرائها،وكان أن أنفق عثمان على أقربائه،وأعطاهم من ماله هو يتقرب إليهم ويصلهم.

وكان مما فعله معهم أنه قسم ماله وأرضه في بني أمية،وجعل ولده كبعض من يعطيه منهم،فبدأ ببني أبي العاص،فأعطى آلَ الحكمِ رجالَهم عشرةَ آلافٍ عشرةَ آلافٍ،فأخذوا مائةَ ألفٍ،وأعطى بني عثمان مثلَ ذلك،وقسَّم في بني العاص وفي بني العيص وفي بني حرب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت