الصفحة 200 من 604

يعيبون التفضيل،ويجعلونه فجوة،وهم يخفون ذلك ولا يكادون يظهرونه؛ لأنه لا حجة لهم،ولو أعلنوه لثار الناس عليهم؛ فكان إذا لحق بالكوفة لاحِقٌ من أعرابيٍّ أو عبدٍ محرَّرٍ،أعجبه كلامهم،وانضم إليهم،حتى قويت شوكتهم،وظلوا على احتجاجهم على عثمان وولاته،يثيرون من حولهم الإشاعات،وكانوا في زيادة يوما بعد يوم،والناس في نقصان حتى غلب الشر،وحدث التمرد بالكوفة.

9-اعتراضات مردودة:

وزاد من انتشار التمرد أن عثمان لما اقترح على الصحابة أن يشتروا أرض العراق بما لهم من أرض وأسهم بالمدينة وغيرها من أرض الجزيرة العربية،محاولة منه لزيادة عدد الصحابة بالعراق ليوازن الاتجاه القَبَلِيَّ بها،حدث ما لم يكن متوقعا،فقد التف رجال القبائل حول هؤلاء الصحابة،وجعلوا منهم مراكز قوى يتطلعون بها إلى مركز الخلافة ...

أضف إلى ذلك أن نظام العطاء الذي سنه عمر كان سببا في زيادة تذمر القبائل في العراق؛ إذ إنه رتب الناس في العطاء بحسب قرابتهم من رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ وسابقتهم في الدين،وهؤلاء جميعا من قريش؛ مما أدى إلى تفضيل قريش في العطاء،فكان أن نقمت القبائلُ على قريش استئثارَها بالفيء وكثرةَ الأموالِ بأيديها.

كان إنشاء الأسطول البحري الإسلامي الأولِ واحدا من إنجازات عهد عثمان بن عفان الكبيرة،وها هو الأسطول يخرج في أولى مهامه الحربية،يشترك فيه جنود المسلمين من مصر والشام،للاشتباك مع الأسطول الروماني الذي دانت له السيطرة في البحر المتوسط أو بحر الروم زمنا طويلا..

واحتفل البحر بالأسطول الإسلامي بمنظره المهيب في معركة ذات الصواري،غير أن نفوسا تلوثت بالدنيا وبالحقد على المسلمين أبت إلا أن يشتمل العُرس على مقدمات لحزن طويل،فمحمد بن أبي حذيفة ومحمد بن أبي بكر شاركا في معركة ذات الصواري سنة إحدى وثلاثين مع جيش عبد الله بن سعد بن أبي السرح،الذي خرج من مصر،فأخذا يبثان في الناس أكاذيب وأفكارا ضالة،تزعم أن عثمان غيّر وبدل وخالف أبا بكر وعمر،وأن دم عثمان حلال.

واتهماه بأنه استعمل عبدَ اللهِ بنَ سعدٍ الذي كان رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ أباح دمه،ونزل القرآنُ بكفره،وبأنه نزع أصحابَ رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ واستعمل سعيدَ بنَ العاص وعبدَ الله بنَ عامر.

وأخذا يتكلمان بذلك وغيره في أهل تلك الغزوة،وبلغ عبدَ الله بن سعد ما يحدثان به الناس،فاستدعاهما وقال لهما: لا تركبا معنا،ومنعهما من الركوب مع جيشه،فركبا في مركب ليس فيه أحد من المسلمين،ولما كان وقتُ لقاء العدو،كانا أقل المسلمين قتالا وأقلهم حماسا،فقيل لهما في ذلك،فقالا: كيف نقاتل مع رجل لا ينبغي لنا أن نحكّمه.. وعثمان فعل وفعل،حتى أفسدا أهلَ تلك الغزوة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت