الصفحة 196 من 604

ها هي روح شابة تنال ثقة أمير المؤمنين عثمان،فيدفع بها إلى الصفوف الأولى من تحمّل المسؤولية،فيتولى عبد الله بن عامر أمر المواجهة مع فارس وأمر إدارة شؤون البصرة ذات الموضع الاجتماعي المعقّد. وكم كانت كفاية عبد الله وقدراته تنمّ عن موهبة فذّة في الإدارة والجندية،وإنجازاته البارزة تثبت ذلك،فقد فتح خراسان كلها،وأطراف فارس وسِجِسْتان وكَرمان حتى بلغ غَزْنة،وفي عهده قُتل يَزْدَجِرْد آخر ملوك الفرس،الذي كان يفر هاربا في البلاد أمام جيوش عبد الله بن عامر حتى قتل.

ثم رجع ابن عامر بعد أن فتح هذه البلاد العظيمة،فقيل له: ما فتح الله على أحد مثل ما فتح عليك: فارس وكرمان وسجستان وخراسان،فقال:"لا جرم،لأجعلن شكري لله على ذلك أن أخرج معتمرا من موقفي هذا فأحرم بعمرة من نيسابور"،ووفى بنذره،وفرق أموالا كثيرة في أهل المدينة.

ومن منجزات عبد الله بن عامر أيضا أنه أتم حفر نهر الأبلة،ذلك المشروع الضخم الذي ابتدأ في ولاية سلفه أبي موسى الأشعري،وحفر غيره من الأنهار التي زودت مدينة البصرة بالماء اللازم لها،واتصلت تجارتُها بالأقاليم المجاورة فدفع ذلك نموها وازدهارها.

وأسهم عبد الله بن عامر في تطوير البصرة بسياسته التي هدفت إلى تشجيع العمران بالمدينة، بمنح الإقطاعات للأشخاص ليتنامى الإنتاج،واتخاذ الأسواق وتأسيسها بالمدينة،فقام بشراء عددٍ من الدور وبنى في موضعها سوقا،لاسيما أن سوق المربد لم تعد قادرة على سد الحاجات الجديدة للمدينة.

تعد مصر أحد مواطن القوة الإسلامية ومصادر ثراء المسلمين منذ توجه إليها عمرو بن العاص من قيسارية بفلسطين لفتحها في أواخر سنة ثماني عشرة للهجرة،واكتمل فتحها سنة إحدى وعشرين،واستمر عمرو واليا عليها حتى وفاة عمر.

ولما ولي عثمان الخلافة أقر عَمرا على مصر في صدر إمارته،يدير أمورها،ويسوس شؤونها،وكان عمرو يُحكم قبضته عليها،مما دفع بعض الأشرار والمنحرفين إلى أن يشكوه إلى عثمان،ولم يكن عثمان يعزل أحدا إلا عن شكاية أو استعفاء من غير شكاية؛ فنقل منه خراجَ مصر،وولى عليه عبد الله بن سعد بن أبي السرح لمؤهلاته الشخصية.

ولم يكتف هؤلاء الأشرار بذلك حتى سعوا بين عمرو وعبد الله بن سعد،وأوقعوا الخلاف بينهما،فبلغ ذلك عثمانَ فعزل عَمْرًا وجعل مصر كلها لابن أبي السرح،وقدم عمرو المدينةَ مُغضَبًا.

وبذلك نجحت مكيدتهم في عزل عمرو عن مصر،فخلا لهم الجو وعاثوا فيها فسادا،وبثوا أفكارهم الهدامة بين الناس،وظهرت أولُ بوادر الفتنة في تحريض محمد بن أبي حذيفة ومحمد بن أبي بكر الناسَ على ذم عثمان وواليه ابن أبي السرح،أثناء الخروج إلى معركة ذات الصواري،وأكثرا من الكلام فيهما،فقد حرضا الناس حتى أفسدا أهل تلك الغزوة،فزجرهما عبد الله بن سعد بن أبي السرح وتوعدهما،ولولا خشيته من غضب أمير المؤمنين لعاقبهما عقابا شديدا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت