الصفحة 195 من 604

ولما قدم سعيد الكوفة صعد المنبر فخطب فيهم،وزجرهم وتوعدهم،ثم نزل وسأل عن البلدة وأحوالها،ووضْع الناس بها،حتى عرف حالهم واضطراب أمرهم،فكتب إلى أمير المؤمنين في ذلك،فرد عليه بعدة تعليمات لإصلاح الوضع بها،فشرع سعيد في تنفيذ الإصلاحات،وبدأ بوجوه الناس وسادتهم من أهل القادسية والبلاء في فتوح هذه البلاد،وأرسل إليهم،فلما اجتمعوا عنده قال لهم:"أنتم وجوه الناس،والوجه ينبئ عن الجسد،فأبلغونا حاجة ذي الحاجة".

وأدخل معهم من يُحتاج إليه،ثم جمع القراء والعلماء واختصهم لنفسه،وجعلهم من أهل مجلسه وسمره. وسار سعيد بن العاص على هذه السياسة الرشيدة في الإدارة،وبث الجيوش والسرايا لاستكمال الفتوحات في طبرستان والباب حتى بلغ أذربيجان..

وسارت الأمور على ما يرام حتى سنة ثلاث وثلاثين الهجرية،حيث قام بعض المنحرفين بالكوفة بأعمال شغب انتهت بتسييرهم إلى الشام. وأصبحت الكوفة وكأنها حطب يابس اشتعلت فيه النيران،فانتشرت الشائعات بالقدح والذم في ولاة عثمان،بل وفي عثمان نفسه؛ لأنه هو الذي اختارهم وولاهم.

ولم يكن يدور في خلد سعيد أن يكون هذا هو نتاج محاولاته الإصلاحية،فكتب إلى أمير المؤمنين يخبره،ويستشيره في الأمر،فجمع عثمان أهل المدينة وعرض عليهم الأمر.

كانت ولاية البصرة إحدى الأمصار الإسلامية ذات الشأن في عصر الراشدين،واستقر مقام المسلمين بمنازلها في المحرم من سنة سبع عشرة للهجرة،ولم يكن حال أهل البصرة أفضل كثيرا من أهل الكوفة مع عمال عمر،فقد شكا بعضُ أهلِها عاملَهم المغيرةَ بنَ شعبةَ إلى الخليفة،واتهموه بالزنا،فعزله عمر وولى مكانه أبا موسى الأشعري سنة سبع عشرة للهجرة،فظل واليا عليها عدة سنوات،ثم صرفه عمر إلى الكوفة حين عزل عمار بن ياسر عنها،وطلب أهل الكوفة من أمير المؤمنين عمر أن يوليه عليهم،وولى مكانه على البصرة عمر بن سراقة المخزومي،ثم رد عمر أبا موسى إليها،فظل أبو موسى على البصرة وعلى صلاتها إلى أن مات عمر.

ولما ولي عثمان أقره عليها،فظل أبو موسى الأشعري واليا عليها سنوات،ثم عاد أهل البصرة فاتهموا أبا موسى وشكوه إلى عثمان،وقالوا: قد أكل أرضنا،وأحيا أمر الجاهلية فينا،فعزله عثمان سنة تسع وعشرين للهجرة.

واستعمل عثمان على البصرة عبد الله بن عامر بن كُرَيز،وهو ابن خمس وعشرين سنة،فكان فيهم حسن السيرة،مجاهدا ميمون النقيبة،ولم يزل واليا عليها حتى قتل عثمان،وقد حقق أعظم الإنجازات،فوصلت الفتوحات على يديه إلى أقصى المشارق،وانتهت بتقويض ملك الإمبراطورية المجوسية ومقتل يَزْدَجِرْد الثالث آخر ملوكهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت