الصفحة 194 من 604

إليهم وأرفقهم بهم،حتى دبر له بعض المنحرفين منهم مؤامرة شهدوا فيها شهادة زور بأنه شرب الخمر،فأمر عثمان بجلده وعزله وولَّى مكانه سعيد بن العاص سنة ثلاثين. وحاول سعيد أن يقوم بعدة إصلاحات اجتماعية،نتج عنها انتشار الإشاعات على عثمان وولاته،ثم أحدثوا بعد ذلك أعمال شغب وتمرد انتهت بمنعهم سعيدا من دخول الكوفة،وعزلوه وولوا أبا موسى الأشعري مكانه،ثم خرج منهم بعد ذلك جماعة من المنحرفين على عثمان،فكان التغيير في الولاة استجابة سريعة لرغبات الناس وظروف إقليمهم،ولم يستعمل عثمان حقه في التغيير للولاة مُبادِئًا.

من السمات الواضحة في حكم الراشدين حرصهم على مصلحة الأمة حتى آخر أنفاسهم في الحياة،ولا يشغلهم عن ذلك ثقل الموت وشدته،فأبو بكر يوصي في لحظاته الأخيرة بدعم الجيوش المجاهدة على جبهة العراق،وعمر يوصي وهو يودع الدنيا باختيار خليفة من بين من بقي من كبار أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - وبأن يتولى سعد بن أبي وقاص أمر الكوفة؛ لأنه حين عزله من قبل لم يعزله عن عجز أو خيانة،وذكر هذا في وصيته ليدفع عنه أي تهمة.

فاستجاب عثمان لوصية عمر،وسارع في تنفيذها،فكان أول عامل استعمله وبعث به إلى الكوفة،وعزل المغيرة بن شعبة،وجعل مع سعدٍ عبد الله بن مسعود على الخراج. وقد حدث خلاف بين سعد وابن مسعود حول دَيْنٍ لبيت المال كان على سعد،فلما رُفع إلى عثمان عزل سعدا وولى على الكوفة الوليدَ بن عقبة.

عزل عثمان سعدَ بن أبي وقاص عن الكوفة،لا شكًّا في أمانته أو كفايته،ولكنه استكثر أن يتنازع اثنان من أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - في بلد كالكوفة هما أميراه،وأهل البلد يفتحون إلى الجدال والخصام كل باب،ولا يهمهم أن تثور الفتن والنزاعات.

وأمّر عثمانُ الوليدَ بن عقبة مكان سعد،فقدم الوليد الكوفة سنة ست وعشرين من الهجرة،فأحسن معاملة أهلها،حتى أحبه الناس،وكانت سيرته فيهم أحسنَ سيرةٍ طيلة سنوات إمارته عليهم،ولم يتخذ لداره بابا حتى خرج من الكوفة،فما كان يحول بينه وبين الناس أحد،وكان يدخل عليه من شاء في ليل أو نهار.

ولأن بعض النفوس لا تهدأ إلا إذا اضطربت الأمور من حولها،فقد قام بعض الأشرار بالانتقام من الوليد لأنه أقام الحد على أبنائهم،وذلك بتدبير مؤامرة لعزله،فشهدوا عليه زورا بشرب الخمر،ونجحت مؤامرتهم،فعُزل الأمير الصالح عن الكوفة بعد جلده،وتولى مكانه سعيد بن العاص.

سعيد بن العاص اسم جديد يظهر في سماء الكوفة بعد أن عُزل الوليد بن عقبة.. اسم جديد يتولى إمارة المدينة المشاكِسة التي دعا عليها عمر بن الخطاب وسعد بن أبي وقاص والوليد ابن عقبة بسبب ظلمهم وافترائهم على أمرائهم..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت