وقد سار على هذا النهج الخليفة عثمان ـ رضي الله عنه ـ فلم يولّ من أقاربه إلا من ولاه الخليفتان من قبله،أو ثبتت كفايته وتفوقه،فحققوا إنجازات ضخمة،ورفعوا راية الإسلام بما فتحوه من بلاد جديدة،وما قاموا به من نشر الأمن والعدل وتعاليم الإسلام في هذه البلاد المفتوحة،فعم الرخاء في جميع بلاد الإسلام،ونَعِمَ الناس بالخيرات والثراء الذي لم يشهدوه من قبل.
ولما جاء علي بن أبي طالب إلى الخلافة ولَّى هو أيضا من يثق فيه من أقاربه،ممن يراهم أهلا لتسيير الأمور فيما ولاهم عليه من البلاد.
وقد كانت ولاية الكوفة وولاية البصرة وولاية مصر صاحبة النصيب البارز في الاعتراض على أمير المؤمنين،أما ولاية الشام فكانت سياسة معاوية بن أبي سفيان فيها من الحكمة بمكان،حتى لم يرتفع منها صوت يعترض على عثمان ـ رضي الله عنه.
وتعدى الاعتراض أمراء الولايات ليشمل آخرين ممن ولاهم عثمان مسئوليات أخرى في الدولة الإسلامية،كمروان بن الحكم الذي ولاه عثمان الديوان.
كان عمر بن الخطاب يعرف بنظرته الملهَمة حب عثمان لأقاربه،كما عرف ذلك في علي،وكان يخشى إن تولى أحدهما خلافة المسلمين أن يصل به بره بأهله إلى تفضيلهم على من سواهم وتقريبهم عمن عداهم،وحملهم على رقاب الناس،فحذرهما ذلك عند وفاته وفي وصيته لهما.
غير أن عثمان بعد مضي فترة من خلافته،وعليا ـ رضي الله عنه ـ منذ بداية استخلافه ـ ولّيا أقاربهما،فولّى علي في خلافته ابن عمه قثم بن العباس على مكة،وعبيد الله بن العباس على اليمن،وعبد الله بن عباس أخاهما على البصرة،وولَّى ربيبه وابن زوجته محمد بن أبي بكر على مصر،وولَّى صهره وابن أخته جعدة بن هبيرة على خراسان،كما كان على عسكره ابنه محمد ابن الحنفية،وكان علي نفسه بالكوفة،وقد ناب عنه في الحج سنة ست وثلاثين عبد الله بن عباس،وسنة سبع وثلاثين قثم بن عباس،وسنة ثمان وثلاثين عبيد الله بن عباس،وهؤلاء أكثر ممن استعملهم عثمان وهو يلي بلاد الإسلام كلها،مع أن عليا لما رفض معاوية وأهلُ الشام بيعته لم يكن يَحْكم سوى العراق والمشرق والحجاز،ولم يدم له حكم مصر ولا استقام له حكم الحجاز.
كانت الكوفة من أعظم الأمصار شأنا في عصر الراشدين،اختطها سعد بن أبي وقاص لمائة ألف مقاتل،وكانت هذه المدينة أكثر الأمصار اعتراضا وشكاية في ولاتهم،فكانت أول مصر نزغ الشيطان بينهم في الإسلام. فقد أتعبت هذه المدينة من قبل عمر بن الخطاب،فولى عليها ستة ولاة في فترة قصيرة ـ على الرغم من دقة عمر في اختياره وشدته في متابعة عماله ـ وكان أول وال عليها لعثمان: سعد بن أبي وقاص،لوصية عمر بذلك،فظل عليها سنة وأشهرا،ثم وقع بينه وبين عبد الله بن مسعود عامل الخراج خلاف،فعزل عثمانُ سعدًا،وولى مكانه الوليد بن عقبة سنة ست وعشرين،فظل أميرا عليها خمس سنين وليس على داره باب،وأدخل على أهل الكوفة خيرا كثيرا،فكان أحب الناس