أما ما بقى بعد ذلك من سنوات الخلافة الراشدة،فقد تحولت الريح الباردة الهادئة فيها من اعتراضات عادية إلى تمرد على الخليفة وولاته إلى عاصفة أخذت تتجمع شيئا فشيئا،وينادى بعضها بعضا حتى تحولت إلى إعصار كُتب على عثمان الخليفة الشيخ أن يواجهه وحده،في محنة هبطت بها شراسة المتآمرين إلى السفح،وارتفع بها تسامح الخليفة الشهيد وحكمته إلى القمة..!!
لقد غلب الشابُّ الأمويُّ عثمان بن عفان عصبيةَ بني أمية مبكرا،وأسرع بالاستجابة لصوت الحق الذي نادى به الرسول الهاشمي محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم - فما ترك عثمان الحقَّ لأن الذي يدعوه إليه رجل من بني هاشم،الذين ينافسون عائلته على الشرف والرئاسة في مكة.
وظل عثمان طوال حياته في كتيبة الحق،ينشر معهم الخير،ويشيع الفضيلة،ويقاوم الوثنية والعصبية الجاهلية. وكم كان قريبا من النبي القائد - صلى الله عليه وسلم - وموضع ثقته طوال حياته،مجاهدا معه،وملاصقا له. وبعد وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم - بقي عثمان قريبا من صاحبيه أبي بكر وعمر مساعدا ومستشارا أمينا.
وبعد وفاتهما جاء الدور على عثمان ليتولى بنفسه إمارة المؤمنين،متحملا هذه المسئولية الصعبة بعد أن اتسعت الدولة الإسلامية،وانفردت في العالم كأقوى قوة بشرية في هذا العصر.
لقد تولى الخليفة الراشد الثالث الأمرَ،وحَمَلَ الأمانة،وأعطى عزمه الرشيد لمسئولياته الجسام،ومنهجُه في ذلك الرفق واللين،والعمل على راحة الرعية،وإيثار الآخرة الباقية على الدنيا الفانية.
وكان حياء عثمان الشهير مصحوبا بميل واضح نحو الرفق،وكراهية التشديد على الناس،وإن كان هذا مفيدا للنفوس السوية المستقيمة،فإن النفوس النكدة التي لم تُهذَّب رغباتها وتطلعاتها بالدين،ولم تؤدَّب سلوكياتها على ضوء الشريعة هذه النفوس تعده ضعفا وقلة خبرة..
لقد مرت الأعوام الستة الأولى من خلافة عثمان على خير وجه،حتى حقق المسلمون فيها الكثير من الإنجازات الرائعة،مثل: تثبيت الفتوحات في البلاد التي انتفضت عقب وفاة الفاروق عمر،وفتح بلاد جديدة،وبناء الأسطول الإسلامي..
أما ما بقى بعد ذلك من سنوات الخلافة الراشدة،فقد تحولت الريح الباردة الهادئة فيها من اعتراضات عادية إلى تمرد على الخليفة وولاته إلى عاصفة أخذت تتجمع شيئا فشيئا،وينادى بعضها بعضا حتى تحولت إلى إعصار كُتب على عثمان الخليفة الشيخ أن يواجهه وحده،في محنة هبطت بها شراسة المتآمرين إلى السفح،وارتفع بها تسامح الخليفة الشهيد وحكمته إلى القمة..!!
إنما بلغت دولة الإسلام في خلافة أبى بكر وعمر الذروة في العزة،وكانت مضرب الأمثال في الفلاح الإنساني وسعادة المجتمع؛ لأن أبا بكر وعمر كانا يكتشفان بنور الله ـ عز وجل ـ خبايا السجايا في أهلها،وعناصر الرجولة في الرجال،فيوليانهم القيادة،ويبوئانهم مقاعد السيادة،ويأتمنانهم على أمة محمد ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ وهما يعلمان أنهما مسئولان عن ذلك بين يدى الله ـ عز وجل.