الصفحة 197 من 604

وقد شجع ذلك من في حلوقهم غصة على عثمان،حتى علت الأصوات المنخفضة،وخرجت الفتن المختبئة،وخرج الناس على الخليفة،وذهبت جماعة منهم إلى المدينة،وكان ما كان من حصارهم له،ثم قُتل شهيدا ـ رضي الله عنه وأرضاه.

الشام منذ أيامِها الأولى في ظلال الإسلام وهي أعظم ولايات دولة الراشدين شأنًا،ففيها موطنٌ كبير للقوة الإسلامية،وامتدادٌ هام لدولة الإسلام إلى الشمال يمثل ظهرا للفتوح في جهات أخرى عديدة.

وقد تولى عثمان - رضي الله عنه - الخلافةَ ومعاوية أميرٌ على الشام،فأقره عليها لِمَا علم فيه من كفاية ونباهة،ولاستعمال أبي بكر وعمر له من قَبْلُ،ولِمَا منحه الله من صفات أهَّلتْه للقيادة والحكم والإدارة،فاستطاع بحسن سياسته أن يدير الشام إدارة حكيمة،حيث أحكم سيطرته عليها،فسهلت له قيادتها،وجعل منها أقوى ولاية إسلامية حينئذ،فنَعِمَتْ معه رعيته بالخير والبركة،وبرزت إنجازاته في هذه الولاية بوضوح.

7-شخصية معاوية رضي الله عنه

ولم يكن معاوية ـ رضي الله عنه ـ يدع شيئا يزعزع استقرار بلاده،أو يهدد أمن ولايته إلا قضى عليه في مهده ودون مساعدة من الخليفة،إلا ما كان من أمر الخلاف مع أبي ذر ومنهجه،حيث استعان بأمير المؤمنين عثمانَ لما أعيتْه الحيَل،فأعانه. وعموما كانت رعيتُه أكثرَ الأمصارِ طواعيةً لأميرها،فلم تظهرْ فيها الفتنة،ولم يجد مثيرو الفتنة لهم فيها مكانا،بل إن معاوية عرض على أمير المؤمنين عثمان أن يخرج معه إلى الشام عندما حدثت الفتنةُ،أو أن يرسل لحمايته بالمدينة بعضَ أجناد الشام،ولكن أمير المؤمنين رفض ذلك كلَّه. ولما جاءهم نبأ حصاره خرج جيش منهم لنصرته،ولكن جاءهم خبر مقتله قبل أن يصلوا إلى المدينة.

"الناس معادن كمعادن الفضة والذهب..." (رواه مسلم وأحمد) .

كان معاوية بن أبي سفيان رجلًا معدنُه الذهبُ في الإدارة والإمارة،ولعله ورث ذلك عن قومه من بني أمية الذين كانوا من زعماء مكة في الجاهلية...

لقد كانت شخصية معاوية الأموي في ظل الإسلام جديرة بأن تحقق إنجازات بارزة إذا أتيحت له الفرصة،وقد انفتح الباب أمامه واسعا حين ولاه عمرُ بعضَ الشام إلى أن أصبح واليا على الشام كله،وكذلك حين وثق فيه عثمان فأقره في موضعه،وسمح له بتنفيذ بعض المشاريع التي كان يعارضها عمر،خوفا على المسلمين.

لقد كان جند الشام تحت قيادة معاوية في طليعة جيوش الجهاد والفتوح الظافرة الداعية إلى الله بأخلاقها وسيرتها وحكمة قادتها وصدق إسلامهم،فانتصروا على عدوهم في البر والبحر،كما كان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت