الصفحة 185 من 604

حظهم من تزكية الإسلام للنفس ضئيلا وما حصلوا عليه من التربية الإيمانية ناقصا،في جوّ نما فيه دور القبائل العربية،ورفعت العصبية القبلية رأسها،حتى بدت رواسب الجاهلية طافية فوق سطح المجتمع.

كلُّ هذا أسهم في إضافة نقاط سوداء إلى الثوب الإسلامي الأبيض،خاصة مع موت الكثير من الصحابة الكبار،وانتشار العديد منهم بعيدًا عن عاصمة الخلافة.

وقد ساعد هذا الاختلال في صورة المجتمع المسلم لهذا العهد على تشجيع الدسائس وإنجاح المؤامرات،كهذه التي كان وراءها تلك الشخصية الغامضة عبد الله بن سبأ.

لقد عاش الإسلام أول عهده في مكة مطارَدا،فكان لا يُقبل عليه حينئذ إلا من تعلقت نفوسهم بالحق ولم تبال أن ينالها الأذى من ذلك،ولم تطمع أن تنال مغنما دنيويا من وراء إيمانها بالله ورسوله.. وفي المدينة كافح المسلمون وسط غابة من الشرك وأهله،حتى لم يكن أحد يتبع هذا الدين المطارَد المحاصَر رغبة في غنيمة أو بحثا عن رياسة..

أَمَا وقد انتصر المسلمون،ففتحوا مكة،وأرغموا أنف اليهود،وأخضعوا القبائل العربية النافرة بالجزيرة فقد أصبح في الانضمام إليهم مغنم.. بل صار هذا المغنم شيئا رائعا وضخما حين سَحَقَ الصحابةُ ومن ثبت معهم جموع المرتدين،ثم امتد بهم الأمر ليواجهوا الفرس والروم ويغنموا منهم ما لا يُحصى من الغنائم.

إن هناك فرقا عميقا بين نفس دخلت في دين الله ـ تعالى ـ لأنه الحق الذي يرضاه الله،وترى فيه ذاتها سابحة في عالم من النقاء،ومسبِّحة مع مَنْ يسبح من الخلق،فلا تستطيع أن تعيش إلا بالحق وله هناك فرق بين هذه النفس وبين نفس دخلت الدين في زحام الداخلين،وأخرى جذبتها الأضواء الباهرة والربح الدنيوي الذي صار المسلمون يجنونه في جولاتهم وملاحمهم.

إن النفس التي دخلت الدين من أجل النفع تميل مع النفع حيث مال،وتسير معه حيث سار،والتي دخلت في زحام الداخلين لا تتقن اختيار ما ينفعها عند ربها،فتنجرف مع كل تيار،وتميل مع كل فتنة.

وقد تدفقت خيرات الدنيا على المسلمين مع موجات الفتوح القوية،فاتسع الثراء اتساعا هائلا،وصارت الثروة كأنها تهاجر من وطن إلى وطن،وتسافر من يد إلى يد. والثراء الضخم المفاجئ لا تنجو من أثره السالب إلا نفوس أفراد قلائل،هم خاصة المؤمنين المتميزة،وكانوا - على أية حال - قلة في المجتمع،وبقيت الكثرة الكاثرة عرضة للتغير والتعلق بالدنيا،بل التصارع عليها.

3-طبيعة المجتمع في عهد أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه

ومع حرص أمير المؤمنين عمر بن الخطاب على الفصل بين الجيوش المسلمة الفاتحة وبين أهل البلاد المفتوحة،فقد ازداد اختلاط المسلمين بالأعاجم مع مرور الوقت،ولكلِّ فريق عاداتُه وأعرافه،وكان لابد من تبادل التأثير والتأثر،فالبدوي الذي قضى حياته بين الخيام والأغنام غير الرومي والفارسي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت