وقد شملت الفتنة جزءا من خلافة أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه وجميع خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه حتى تنازل الحسن بن علي لمعاوية عن الخلافة في عام الجماعة،فاستقرت الأمور،وهدأت الفتنة،وإن تركت جراحا عميقة،وآثارا ونتائج سيئة.
ولم يكن هذا الحادث الضخم - أي الفتنة - منزوعا من سياق تاريخي غريب عنه تماما،بل كانت له جذوره ومقدماته وأسبابه وبواعثه فيما سبقه من أحداث،كما تهيأ له المناخ المناسب في الطبيعة القاسية لكثير من العرب البدو الذين دخلوا في الإسلام مع الداخلين،دون أن تُتاح الفرصة الكافية لتأديبهم بأدب الإسلام وخُلقه.
2-أسباب الفتنة الحقيقية
لم تكن أسباب الفتنة وبواعثها ـ كما ظهرت في شكلها البسيط ـ ترجع إلى غضب جماعة من الرعية من تصرفات الخليفة أو عماله على الولايات،بل تعُودُ إلى تغيرات اجتماعية عميقة ظلت تعمل في صمت وقوة لا يلحظها كثير من الناس،حتى ظهرت على ذلك الشكل العنيف المتفجر في النصف الثاني من خلافة عثمان،وبلغت قمةَ فورانها في الثورة التي أدت إلى استشهاده،ولم تنته بقتله،بل ظلت تأثيراتها وظلالها تنسحب على الحياة الإسلامية في الفترة التي تلت ذلك.
لقد كانت نفس تلك الأسباب وراء تململ عمر بن الخطاب من رعيته وتململهم منه في أواخر حياته،وكانت وراء قتل عثمان،كما كانت وراء بعض تصرفات علي بن أبي طالب لما استُخلف،ووراء فشلِ سياسته في العراق،ووراء امتناع معاوية عن بيعته،والصراع بينهما.
إن التغيير الهائل الذي أحدثه الإسلام في خريطة العالم المحيط به: في عقائده ونظمه ونفسيته لم يكن ليمر دون أن يعكس آثاره بصورة أو بأخرى على الإسلام نفسه،ممثَّلا في دولته وفي مجتمعه،وممثلا بصفة خاصة في القادة والرواد الذين حملوا أكثر مِنْ سواهم أعباءَ هذا الانقلاب الضخم.
ولقد كان اغتيال الخليفة الراشد عمر بن الخطاب أول ظواهر هذا الانعكاس الخطير،وكان نذيرا واضحا بأن ردود الفعل لتلك الفتوحات الواسعة التى طوَّرت من طبيعة الدولة الإسلامية،قد بدأت تنفّذ قانونها وسلطانها،خاصة مع عدم حدوث تغير في أسلوب الحكم يواكب هذا التطور.
(( المقصود به أنهم لم يكونوا يحتاطون من الناس ومن المسلمين الجدد لأن بعضهم قد دخل في الإسلام على دغل وخوف وهو يريد الكيد له من الداخل فلم يكن لهم حرص ولا غير ذلك كبقية الأمراء في العالم ) )وجاء الفتح بمشكلاته: من ثراء طارئ،ودنيا حافلة بالإغراء،واختلاط هائل بين أجناس وأمم وتقاليد طوّرت في المجتمع الإسلامي،وخلقت بمرور الوقت مناخا متوترا،خاصة من جانب هؤلاء الذين كان