اللذَيْن عاشا في المدن العامرة ووسط الأرض الخضراء والحدائق الغنّاء،والعربي الذي عوّدته الحياة الصبر والحسم غيرُ الأعجمي الذي علّمته حياته العبث واللين.
لقد كان الزمن كفيلا بأن يخلط الأمم بعضها ببعض خلطا عجيبا،في هذه المنطقة من العالم التي شغلتها دولة الإسلام أيام الراشدين،وكان لهذا أثره الكبير في إحداث تفاعلات اجتماعية في الأعماق والأغوار البعيدة للمجتمع،كانت الثورة على سلطة المدينة أيام عثمان إحدى تجلياتها.
في زمن الخلافة الراشدة،وبعد أن ظهر تأثير الفتوحات الاقتصادي والاجتماعي،حدث تطور تاريخي هائل؛ إذ اتسع سلطان المدينة - اتسع من حدود هذه المدينة المحصورة حتى شمل جزيرة العرب كلها وممالك العراق والشام ومصر وإفريقية وأرمينية وبلاد فارس وبعض جزر البحر الأبيض المتوسط؛ فتحولت الحكومة الإسلامية من دولةِ مدينةٍ،أي دولة حدودُها محصورة بمدينة A City state إلى دولة عالمية A World state...
وما دامت طبيعة الدولة قد تحولت،وبدأ التغير في عناصر المجتمع،فقد كان من الواجب أن يتغير أسلوب الحكم،وتتطور أداته،حتى تصبح ملائمة لحاجات الظرف الجديد،ولكن الأسلوب الذي كانت تحكم به الدولة المدينةَ - مع عظمته لو كان عالم البشر مثاليا - ظل هو الأسلوب الذي يراد أن تسير به الدولة العالمية،فحصل صدام كان لابد أن يقع،وظهرت العقبات،وأطلت المشكلات برءوسها،وتوالت الأزمات التي جعلت الأيام الأخيرة من خلافة عثمان - رضي الله عنه - مكدرة أي تكدير!
كان عمر - رضي الله عنه - يمنع أعلام المهاجرين من قريش من الخروج من المدينة،وضيق عليهم في ذلك،حتى في الغزو،ويقول:"إني أخاف أن تروا الدنيا وأن يراكم أبناؤها". فلما ولي عثمان لانَ لهم،فانتزع الحقوق انتزاعا،ولم يعطل حقا،فأحبوه على لينه،ولم يشتد في معاملتهم كما كان يشتد عمر. ولم تمض سنة من إمارة عثمان حتى سمح لهم بالانسياح في الأرض،والانطلاق حيث شاءوا إرضاء لهم،وتوسلا بمقامهم بين العامة إلى تسكين الأمور واتقاء الفوضى.
فلما رأوا الأمصار،ورأوا الدنيا،ورآهم الناس،واتخذ رجال منهم أموالا في الأمصار،وكثرت أملاكهم،وبنوا المساكن والبيوت لأنفسهم في الأمصار - انقطع إليهم الناس،وثبتوا على ذلك سنوات،حتى أصبح كل قوم يحبون أن يلي صاحبهم الخلافة،وصاروا يتقربون إليهم،وطمع كل قوم في ذلك،حتى ينالوا بمن يؤيدونه مكانة ودرجة،فكان ذلك أول ضعف دخل على المسلمين،وأول فتنة كانت في العامة،فاستعجلوا موت عثمان،واستطالوا حياته..
3-طبيعة المجتمع في عهد أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه