فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 309

ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ السَّلاَمَ عَلَى أَهْل الذِّمَّةِ مَكْرُوهٌ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْظِيمِهِمْ، وَلاَ بَأْسَ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَى الذِّمِّيِّ إِنْ كَانَتْ لَهُ عِنْدَهُ حَاجَةٌ؛ لأَِنَّ السَّلاَمَ حِينَئِذٍ لأَِجْل الْحَاجَةِ لاَ لِتَعْظِيمِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَقُول: السَّلاَمُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى [1] .

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ أَيْضًا إِلَى أَنَّ ابْتِدَاءَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَسَائِرِ فِرَقِ الضَّلاَل بِالسَّلاَمِ مَكْرُوهٌ؛ لأَِنَّ السَّلاَمَ تَحِيَّةٌ وَالْكَافِرَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا. [2]

وَيَحْرُمُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ بُدَاءَةُ الذِّمِّيِّ بِالسَّلاَمِ، وَلَهُ أَنْ يُحَيِّيَهُ بِغَيْرِ السَّلاَمِ بِأَنْ يَقُول: هَدَاكَ اللَّهُ، أَوْ: أَنْعَمَ اللَّهُ صَبَاحَكَ، إِنْ كَانَتْ لَهُ عِنْدَهُ حَاجَةٌ، وَإِلاَّ فَلاَ يَبْتَدِئُهُ بِشَيْءٍ مِنَ الإِْكْرَامِ أَصْلًا؛ لأَِنَّ ذَلِكَ بَسْطٌ لَهُ وَإِينَاسٌ وَإِظْهَارُ وُدٍّ. [3]

وَقَدْ قَال اللَّهُ تَعَالَى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [المجادلة:22] .

وَقَال النَّوَوِيُّ فِي الأَْذْكَارِ: اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي أَهْل الذِّمَّةِ، فَقَطَعَ الأَْكْثَرُونَ بِأَنَّهُ لاَ يَجُوزُ ابْتِدَاؤُهُمْ بِالسَّلاَمِ، وَقَال آخَرُونَ: لَيْسَ هُوَ بِحَرَامٍ بَل هُوَ مَكْرُوهٌ.

حَكَى الْمَاوَرْدِيُّ وَجْهًا لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا؛ أَنَّهُ يَجُوزُ ابْتِدَاؤُهُ بِالسَّلاَمِ، وَلَكِنْ يَقْتَصِرُ الْمُسَلِّمُ عَلَى قَوْلِهِ: السَّلاَمُ عَلَيْكَ، وَلاَ يَذْكُرُهُ بِلَفْظِ الْجَمْعِ، إِلاَّ أَنَّ النَّوَوِيَّ وَصَفَ هَذَا الْوَجْهَ بِأَنَّهُ شَاذٌّ.

وَبُدَاءَةُ أَهْل الذِّمَّةِ بِالسَّلاَمِ لاَ تَجُوزُ أَيْضًا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، كَمَا لاَ يَجُوزُ أَنْ نُحَيِّيَهُمْ بِتَحِيَّةٍ أُخْرَى غَيْرِ السَّلاَمِ. قَال أَبُو دَاوُدَ: قُلْتُ لأَِبِي عَبْدِ اللَّهِ: تَكْرَهُ أَنْ يَقُول الرَّجُل لِلذِّمِّيِّ كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟ أَوْ: كَيْفَ حَالُكَ؟ أَوْ: كَيْفَ أَنْتَ؟ أَوْ نَحْوَ هَذَا؟ قَال: نَعَمْ، هَذَا عِنْدِي أَكْثَرُ مِنَ السَّلاَمِ.

(1) - ابن عابدين 5/ 264 - 265 ط. المصرية، الاختيار 4/ 165 ط. المعرفة روح المعاني 5/ 100 ط. المنيرية.

(2) - الفواكه الدواني 2/ 425 - 426 ط. الثالثة، حاشية العدوي على الخرشي 3/ 110 ط بولاق، القرطبي 5/ 303 ط الأولى.

(3) - نهاية المحتاج 8/ 49 ط. المكتبة الإسلامية، تحفة المحتاج 9/ 226 ط. دار صادر، روضة الطالبين 10/ 230 - 231 ط. المكتب الإسلامي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت