وَلِأَنَّ الْمَال الْمَأْخُوذَ عَلَى الأَمَانِ ضَرْبَانِ: هُدْنَةٌ وَجِزْيَةٌ، فَلَمَّا كَانَ الْمَأْخُوذُ هُدْنَةً إِلَى اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ، فَكَذَلِكَ الْمَأْخُوذُ جِزْيَةً وَلِأَنَّ الْجِزْيَةَ عِوَضٌ، فَلَمْ تَتَقَدَّرْ بِمِقْدَارٍ وَاحِدٍ فِي جَمِيعِ الْمَوَاضِعِ كَالأُجْرَةِ. [1]
وَقْتُ اسْتِيفَاءِ الْجِزْيَةِ:
اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لاَ تُؤْخَذُ مِنَ الذِّمِّيِّ إِلاَّ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي السَّنَةِ وَلاَ تَتَكَرَّرُ. وَالسَّنَةُ الْمُعْتَبَرَةُ شَرْعًا هِيَ السَّنَةُ الْقَمَرِيَّةُ؛ لِأَنَّهَا هِيَ الْمُرَادَةُ شَرْعًا عِنْدَ الإِطْلاَقِ، أَمَّا إِذَا عَيَّنَ الإِمَامُ كَوْنَهَا شَمْسِيَّةً أَوْ قَمَرِيَّةً فَيَجِبُ اتِّبَاعُ مَا عَيَّنَهُ.
وَقْتُ وُجُوبِ الْجِزْيَةِ:
اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ وَقْتَ وُجُوبِ الاِلْتِزَامِ بِالْجِزْيَةِ عَقِبَ عَقْدِ الذِّمَّةِ مُبَاشَرَةً، إِلاَّ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ قَالُوا: تَجِبُ بِالْعَقْدِ وُجُوبًا غَيْرَ مُسْتَقِرٍّ وَتَسْتَقِرُّ بِانْقِضَاءِ الزَّمَنِ كَالأُجْرَةِ، فَكَلَّمَا مَضَتْ مُدَّةٌ مِنَ الْحَوْل اسْتَقَرَّ قِسْطُهَا مِنْ جِزْيَةِ الْحَوْل، حَتَّى تَسْتَقِرَّ جِزْيَةُ الْحَوْل كُلِّهِ بِانْقِضَائِهِ؛ لِأَنَّ الْجِزْيَةَ عِوَضٌ عَنْ مَنْفَعَةِ حَقْنِ الدَّمِ، فَتَجِبُ بِالْعَقْدِ وُجُوبًا غَيْرَ مُسْتَقِرٍّ، وَتَسْتَقِرُّ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ شَيْئًا فَشَيْئًا كَالأُجْرَةِ [2] .
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وَقْتِ وُجُوبِ أَدَاءِ الْجِزْيَةِ:
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ وَقْتَ وُجُوبِ الأَدَاءِ آخِرُ الْحَوْل [3]
(1) - المغني 8/ 502،كشاف القناع 3/ 121،أحكام أهل الذمة لابن القيم 1/ 27،المبدع 3/ 411،المذهب الأحمد ص 210،الإنصاف 4/ 227،كتاب الرواتين والوجهين 2/ 382،الأموال لأبي عبيد ص 57.
(2) - البدائع 9/ 4330،القوانين الفقهية ص 175،جواهر الإكليل 1/ 266،نهاية المحتاج 8/ 87،المغني 8/ 500.
(3) - بداية المجتهد 1/ 405،المقدمات لابن رشد 1/ 397،المنتقى 2/ 176،حاشية الخرشي 3/ 145،منح الجليل 1/ 758،المهذب مع المجموع 18/ 218،رحمة الأمة 2/ 181،الميزان 2/ 185،الإفصاح 2/ 294،المغني 8/ 504،المبدع 3/ 410،المذهب الأحمد ص 210،أحكام أهل الذمة لابن القيم 1/ 39،كشاف القناع 3/ 121،الإنصاف 4/ 229.